المقاومة بالفن: كيف يتحول جبل سمامة من معقل للإرهاب إلى عاصمة للجغرافيا الثقافية؟

نشرت :

هكذا تُدرك الأماكن بالفن، وحين تتحول الممارسة الثقافية إلى تذكرة عبور حقيقية تنقل الهوامش والقرى المنسية من أسر المحلية الضيقة إلى آفاق العالمية الرحبة. في قلب هذه المعادلة، يقف جبل سمامة اليوم كنموذج حي لـ”المقاومة الثقافية”، فبعد سنوات طويلة اختُطف فيها الإعلام صورته النمطية وحصرها في زاوية الإرهاب والدمار، ينهض الجبل اليوم بأيدي حراسه الحقيقيين من ساكنيه وأهالي القرى المجاورة، ليعلن ولادة جديدة مسلّحة بالوعي والفكر والفن.

الهجرة والجغرافيا الثقافية: من ضفتي المتوسط إلى مسالك “الهطايا”

إن هذا التحول المشهود لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد لعملية تراكمية وممارسات ثقافية ذات أثر اجتماعي عميق أسست لما أسماه الراحل الدكتور محمد قوجة بـ”الجغرافيا الثقافية”. وفي سياق البحث العلمي المفكك لهذه الظواهر، نجد أن:

الهجرة والمثاقفة: شكلت الهجرة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط عاملاً فاعلاً ومحركاً رئيسياً في عمليتي التثاقف والمثاقفة، حيث تحوّل المهاجرون إلى جسور ثقافية حية تنقل الهوية وتتفاعل مع الآخر.

من المحلية إلى العالمية (أغاني الملولية): برزت أغاني “الملولية” كشاهد إثبات على قدرة الموروث المحلي على اختراق الحدود. وقد ساهم في هذا العبور التاريخي مسارات إنسانية واجتماعية واقتصادية وعرة وممتدة، لعل أبرزها: طريق الهطايا، وطريق الهندي، وطريق الحلفاء. مراح الفروسية، والمحفل، والزردة.

هذه الممارسات لم تكن مجرد طقوس عابرة، بل كانت شريان الحياة الذي غطّى الفراغات الجغرافية وحوّلها إلى فضاءات ثقافية ممتدة.

“الإنزال الثقافي”: عندما يصبح المسلك سالكاً

تمت ترجمة هذه الرؤية نظرياً وميدانياً من خلال مشروع بحثي أكاديمي رائد (موضوع رسالة ماجستير)، تمحور حول التراث الشفوي المغنى بجهة القصرين جبل سمامة نموذجاً، وتلته محطات ثقافية أسس لها الفنان محمد عدنان الهلالي من خلال مهرجان ثقافي وعلمي “عيد الرعاة” على سفح جبل سمامة، بدأ بـ”سمامة عاصمة كونية للفنون والثقافة” و”الإنزال الثقافي”. وهو المفهوم الذي حوّله فريق المركز الثقافي الجبلي بسمامة إلى واقع ملموس وعقيدة عمل يومية.

لقد نجح فريق المركز في تحويل المفهوم النظري إلى ممارسة ميدانية؛ فبفضل التدخلات الثقافية والأنشطة الإبداعية المستمرة، نجحنا في “فتح المسالك” التي كانت معطلة لسنوات بسبب الخوف والترهيب، ليعود الجبل مكاناً آمناً، نابضاً بالحياة، ومفتوحاً أمام الإبداع والتبادل الثقافي الإنساني. وكان ذلك بالتوازي مع مشروع “المقاومة الثقافية”، الذي بدأ برحلة التوثيق لأنماط الغناء في أرياف جهة القصرين بداية من جبل سمامة منذ سنة 2010، بمساعدة مركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء، بمبادرة إنسانية من الدكتور أنس غراب مدير المركز، وقد واصل الباحث د. ماهر بن عباس الهلالي العمل توثيقاً وتحليلاً.

في عمق هذا الحراك، يبرز الأثر البالغ للمشروع البحثي تحت عنوان “المقاومة الثقافية”، حيث اكتسب هذا المشروع أهمية استثنائية لكونه:

تأصيل علمي للفعل النضالي: لا يكتفي المشروع برصد الأنشطة، بل يؤصل للمقاومة بالفن كأداة دفاعية وتنموية قادرة على مجابهة الفكر المتطرف وصناعة بدائل اقتصادية واجتماعية لأهالي الجبل.

تفكيك الصورة النمطية السائدة: يساهم هذا المشروع في إعادة صياغة السردية الإعلامية حول جبل سمامة والمناطق الحدودية، عبر نقل التركيز من “مربع الإرهاب” إلى “مربع الإنتاج الثقافي والرمزي”.

مأسسة العمل الثقافي الجبلي: يقدم المشروع دليلاً علمياً يثبت أن الممارسات الثقافية المحلية (كالمحفل والزردة والصناعات الحرفية) هي أسلحة ردع حقيقية قادرة على تحصين الهوية المحلية وفتح أفق عالمي متجدد.

الخاتمة: إن تجربة جبل سمامة، التي عمل عليها فريق المركز الثقافي الجبلي، المسنودة ببحوث علمية رصينة قدمها د. ماهر بن عباس الهلالي، والممارسات الميدانية الشجاعة التي قادها الفنان محمد عدنان الهلالي مع فريق أصوات سمامة، والحمد لله، وفريق العمل في الواقوبة، تثبت أن الثقافة ليست ترفاً، بل هي ضرورة سيادية وأداة تحرير للأرض والإنسان. لقد استعاد الجبل حراسه، واستعاد الحراس جبلهم، وبفضل “المقاومة الثقافية”، أصبحت تذكرة العبور من المحلية إلى العالمية مكتوبة بلغة الفن والحياة، وها هو اليوم جبل سمامة، ممثلاً بالراعي محمد عدنان الهلالي، في قيرغيزستان الجبلية، يشارك في رحلة طريق الحرير العالمية، ولم يعد المسلك معطلاً بعد اليوم.

الباحث: د. ماهر بن عباس الهلالي.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img