من التمثيل إلى التأثير.. المرأة العُمانية في قلب التحول الوطني

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

في مسيرة الدول، لا تُقاس القرارات الكبرى بما تضيفه من أرقام أو مقاعد، وإنما بما تعكسه من رؤية للمستقبل وفهمٍ لطبيعة التحولات التي يمر بها المجتمع. ومن هذا المنطلق، يأتي التوجيه السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة بمجلس الشورى، باعتباره قرارًا يتجاوز البعد الانتخابي المباشر إلى أفق أوسع يرتبط بمستقبل المشاركة الوطنية وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.

فالقراءة المتأنية لهذا التوجيه تكشف أنه ليس استجابةً ظرفيةً لغياب المرأة عن الدورة الحالية لمجلس الشورى، بقدر ما هو تعبير عن رؤية استراتيجية ترى أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة جميع الطاقات الوطنية في صناعة القرار. وهو ما ينسجم مع النهج العُماني القائم على التطوير المتدرج للمؤسسات، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، وترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية بوصفه أحد مرتكزات الدولة الحديثة.

لقد أثبتت المرأة العُمانية خلال العقود الماضية أنها شريك فاعل في بناء الوطن، وأسهمت في مختلف مسارات التنمية، من التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد إلى الدبلوماسية والقضاء وريادة الأعمال والبحث العلمي. ولم يعد السؤال اليوم يتعلق بقدرتها على الإنجاز، بل بكيفية الاستفادة من هذه الخبرات المتراكمة داخل المؤسسات الوطنية التي تشارك في صياغة السياسات العامة ورسم ملامح المستقبل.

ومن هنا، فإن تخصيص مقعد للمرأة في كل محافظة يمثل انتقالًا نوعيًا من مفهوم إتاحة الفرصة إلى مفهوم ضمان الحضور المؤسسي المستدام. فالدول التي تتطلع إلى المستقبل لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تعمل على توظيف جميع مواردها البشرية وتعظيم الاستفادة من قدراتها الوطنية. وفي عالم أصبحت فيه المعرفة والخبرة والابتكار أهم عناصر القوة، بات إشراك المرأة في دوائر صنع القرار جزءًا من معادلة التنمية، وليس مجرد استحقاق اجتماعي.

ويحمل القرار في جوهره بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز تمكين المرأة إلى تعزيز جودة القرار الوطني نفسه. فالتجارب العالمية تؤكد أن المؤسسات التي تضم تنوعًا أكبر في الخبرات والرؤى تكون أكثر قدرة على قراءة التحديات واستشراف الفرص وصياغة الحلول المستدامة. وحضور المرأة في مجلس الشورى يضيف منظورًا مهمًا لقضايا التنمية البشرية والأسرة والشباب والتعليم والصحة والتنمية المحلية، وهي ملفات تشكل اليوم جوهر التنمية المستدامة ومقياس نجاح السياسات العامة.

كما يعكس القرار فهمًا عميقًا لطبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع العُماني في ظل مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي وضعت الإنسان العُماني في قلب عملية التنمية. فالرؤية الوطنية لا تنظر إلى المرأة بوصفها شريحة اجتماعية منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من رأس المال البشري الوطني الذي يمثل الثروة الحقيقية للسلطنة. ومن ثم، فإن تعزيز حضورها في المؤسسات الوطنية هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن وقدرته على تحقيق تطلعاته التنموية.

وفي جانب آخر، يجسد هذا التوجيه السامي امتدادًا للاهتمام الكبير الذي يوليه جلالة السلطان المعظم للمرأة العُمانية ودورها الوطني. فمنذ توليه مقاليد الحكم، أكد جلالته في أكثر من مناسبة أن بناء المستقبل مسؤولية مشتركة، وأن التنمية الحقيقية تقوم على توظيف قدرات جميع أبناء الوطن وبناته. ولذلك، لم يكن تمكين المرأة في عهده خيارًا مرحليًا، بل جزءًا من رؤية متكاملة تستهدف بناء دولة عصرية قادرة على الاستفادة من كامل طاقاتها البشرية.

كما يبرز في هذا السياق الدور الإنساني والمجتمعي الرائد للسيدة الجليلة حرم جلالة السلطان المعظم – حفظها الله – التي قدمت نموذجًا ملهمًا في دعم المرأة والأسرة والمبادرات المجتمعية. فمن خلال رعايتها الكريمة للعديد من البرامج والمبادرات ذات الأبعاد الاجتماعية والتنموية، عززت السيدة الجليلة مكانة المرأة العُمانية، ورسخت ثقافة التمكين المرتبطة ببناء الإنسان وتنمية المجتمع، لا بوصفها امتيازًا، بل باعتبارها مسؤولية وطنية وشراكة في صناعة المستقبل.

إن المتأمل في هذا القرار يدرك أنه يمثل أكثر من تعديل في آلية التمثيل داخل مجلس الشورى؛ فهو رسالة سياسية وتنموية تعكس ثقة القيادة في المرأة العُمانية، وإيمانها بقدرتها على الإسهام في صناعة القرار الوطني. كما أنه يعبر عن نضج التجربة العُمانية التي اختارت أن تطور مؤسساتها وفق احتياجاتها الوطنية وأولوياتها التنموية، بعيدًا عن التقليد أو الاستجابة للضغوط الخارجية.

وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذا التوجيه السامي لا تكمن في عدد المقاعد التي أضيفت، بل في الفلسفة التي يقف عليها. إنها فلسفة تؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن بناء المستقبل يتطلب حضور جميع الكفاءات الوطنية في دوائر التأثير وصنع القرار. ومن هنا، فإن تخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة يمثل خطوة جديدة في مسيرة التمكين الوطني، وترجمةً عمليةً لرؤية سلطانية تستثمر في الإنسان العُماني، وتعزز قوة المؤسسات، وتؤكد أن المرأة العُمانية ستظل في قلب التحول الوطني وشريكًا أساسيًا في صناعة مستقبل عُمان.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img