“خطة مسقط”.. هل تنجح في جبر الضرر؟

نشرت :

د. محمد بن عوض المشيخي **

من المؤسف حقًّا أن يسود خطاب الكراهية بين المجتمعات والشعوب، وأن تتغلب نزعات الهيمنة والصراع على قيم التعاون والتفاهم الإنساني؛ فما نشهده اليوم من حروب ونزاعات، واستهداف للمدنيين الأبرياء، ومحاولات فرض النفوذ والسيطرة على مقدرات الآخرين وثرواتهم ومواردهم، يجعل العالم أمام تحديات أخلاقية وإنسانية غير مسبوقة. وفي كثير من الأحيان تصبح لغة العداوة والبغضاء والاستقطاب هي اللغة السائدة، بينما تتراجع قيم الحوار والرحمة والاحترام المتبادل التي دعت إليها الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية.

لقد باتت العديد من الشعوب تُعاني من آثار الصراعات الممتدة، وفقدان الأمن والاستقرار، وتراجع فرص التنمية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف واحترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش الكريم وإدارة شؤونها بحرية واستقلال. وفي ظل هذا الواقع المضطرب الذي يمر به العالم اليوم، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى مبادرات دولية جادة تعيد الاعتبار لقيم السلام والتعايش والتفاهم بين الأمم والشعوب.

ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة سلطنة عُمان الدولية الرائدة المعروفة بـ«خطة مسقط»، التي أُطلقت من مقر الأمم المتحدة في نيويورك بتاريخ 11 يونيو 2026؛ لتُشكِّل خطوة عملية نحو تعزيز دور القيادات الدينية والتقليدية والشعوب الأصلية في الوقاية من النزاعات، ومواجهة خطاب الكراهية، والحد من الفظائع الجماعية، من خلال الوساطة والحوار وبناء السلام والتنمية.

ولا شك أن يوم إطلاق الخطة لم يكن يومًا عاديًا في مسيرة العمل الدولي المشترك، بل مثّل محطة مهمة تعكس إسهام سلطنة عُمان المتواصل في دعم قيم السلام والتسامح والتفاهم بين الشعوب. وقد حظيت الخطة برعاية أممية رفيعة المستوى ومشاركة واسعة من الدول الأعضاء والمنظمات الدولية وشركاء بناء السلام من مختلف أنحاء العالم، بحضور معالي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومعالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري وزير الأوقاف والشؤون الدينية ممثلًا عن سلطنة عُمان، وكبار المسؤولين الدوليين؛ الأمر الذي يعكس حجم الاهتمام الدولي بهذه المبادرة وأهدافها الإنسانية النبيلة. وتُوِّج ذلك كله بالإشادة السامية لجلالة السلطان المعظم في اجتماع مجلس الوزراء الموقر في 15 يونيو 2026.

وتكتسب «خطة مسقط» أهمية خاصة؛ لأنها لا تقتصر على الدعوة النظرية إلى السلام، بل تسعى إلى بناء إطار عملي يعزز دور القيادات الدينية والتقليدية ومنظمات المجتمع المدني في الوقاية من النزاعات ومعالجة أسبابها قبل تفاقمها. كما أنها تنطلق من إيمان عميق بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى التفاهم، وأن التنمية والسلام وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

ولا تنبع أهمية الخطة من أهدافها المعلنة فحسب، بل من الفلسفة التي تقوم عليها؛ فهي تنطلق من قناعة متزايدة داخل المجتمع الدولي بأن السلام لا يُصنع بالاتفاقات السياسية وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى بناء الثقة داخل المجتمعات، وتعزيز المناعة الأخلاقية والثقافية ضد الكراهية والتطرف والعنف. كما أنها تعيد الاعتبار إلى الفاعلين المجتمعيين الذين يمتلكون تأثيرًا مباشرًا في تشكيل الوعي العام وتوجيه السلوك الاجتماعي، وفي مقدمتهم القيادات الدينية والتقليدية ومنظمات المجتمع المدني.

وقد أشار حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى أهمية هذه الخطة وما تمثله من امتداد للنهج العُماني الراسخ في تعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب، وهو النهج الذي عبر عنه جلالته بقوله: «رسالة السلام من عُمان ستظل تجوب العالم». وتجسد خطة مسقط هذه الرؤية من خلال تحويل القيم الإنسانية المشتركة إلى برامج عمل وشراكات دولية تسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.

وفي الختام.. فإن ما يميز «خطة مسقط» عن كثير من المبادرات الأخرى أنها لم تأتِ بوصفها فعالية عابرة أو مشروعًا مؤقتًا، بل جاءت ثمرة سنوات من الحوار والتشاور والعمل المشترك مع خبراء ومفكرين وقادة دينيين وممارسين من مختلف دول العالم. كما تستند إلى رصيد عُماني متراكم في مجال الوساطة وبناء الجسور وتعزيز التفاهم بين الأطراف المختلفة، وهو رصيد أكسب السلطنة احترامًا وثقة واسعين على الساحة الدولية.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح خطة مسقط في جبر الضرر الذي خلفته النزاعات والصراعات وخطابات الكراهية في عالمنا المعاصر؟

والإجابة عن هذا السؤال ستتضح مع مرور الوقت، لكن المؤكد أن العالم اليوم بحاجة ماسّة إلى مبادرات من هذا النوع، تعيد للإنسان مكانته، وللحوار قيمته، وللسلام حضوره. وإذا ما توافرت الإرادة الدولية الصادقة، والتعاون الحقيقي بين الحكومات والمؤسسات والقيادات المجتمعية، فإن «خطة مسقط» قد تمثل إحدى أهم المبادرات العالمية القادرة على الإسهام في بناء عالم أكثر أمنًا وعدلًا وتعايشًا بين جميع البشر.

ولعل النجاح الحقيقي للخطة لن يُقاس بعدد المؤتمرات أو البيانات التي تصدر عنها، وإنما بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة الناس، وتعزيز التماسك المجتمعي، والحد من الكراهية والعنف، وترسيخ ثقافة الحوار والاحترام المتبادل. وعندئذ فقط يمكن القول إن خطة مسقط لم تكن مجرد مبادرة دولية جديدة، بل مساهمة إنسانية رائدة في بناء عالم أكثر سلامًا وتعاونًا وازدهارًا.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img