✍️ الإعلامي محسن الفقيه
في عالم كرة القدم، لا تُخلِّد الذاكرةُ كثيرًا من الجدل، لكنها تحفظ طويلًا أولئك الذين يكتبون أسماءهم في سجلِّ الإنجاز. ومن بين هذه الأسماء يبرز الكابتن رشيد جابر، أحد أبرز العقول الفنية التي أنجبتها الكرة العُمانية، ورجلٌ اعتاد أن يجعل من العمل الجاد سبيله إلى النجاح، ومن الميدان شاهدًا على ما يقدمه من عملٍ وإنجاز.
حين تسلَّم مهمة قيادة المنتخب العُماني، كان الأحمر يعيشُ مرحلةً صعبةً من التراجع الفني والنتائج المتذبذبة. فجاء رشيد جابر ليعيد إليه شيئًا من شخصيته وهيبته، ويقوده إلى وصافة كأس الخليج، كما قاد الأحمر العُماني إلى تجاوز مُنتخباتٍ خليجية وازنة، في مقدمتها المنتخب القطري بطل آسيا، والمنتخب الإماراتي بما يضمه من أسماءٍ محترفة، والمنتخب السعودي المدجج بالنجوم الذين يتألقون في واحدٍ من أقوى الدوريات في القارة.
ولم تتوقف بصمته عند حدود كأس الخليج، بل واصل قيادة المنتخب بثباتٍ في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم، ليبلغ الملحق الحاسم المؤهل مباشرةً إلى مونديال كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ الكرة العُمانية، وبات الأحمر العُماني على بُعد عتبتين فقط من تحقيق الحلم المونديالي الذي طال انتظاره، في محطةٍ أكدت من جديد قدرته على صناعة الفارق وإعادة الروح التنافسية إلى المنتخب الوطني.
وبعد تلك المرحلة، اختار رشيد جابر خوض تحدٍّ جديد خارج حدود الوطن، فشدَّ الرحال إلى العراق لتولي مهمة تدريب القوة الجوية، أحد أعرق الأندية العراقية وأكثرها جماهيرية. وكانت المهمة محفوفةً بالتحديات في دوري يُعَدُّ من أكثر الدوريات العربية تنافسيةً وصعوبة.
غير أن ابن عُمان كان يعرف جيدًا ما يريد. فالرجل الذي قاد أنديةً ومنتخباتٍ عُمانية وعربية إلى منصات التتويج، وصنع أسماءً باتوا نجومًا في سماء الكرة العُمانية والاحتراف الخارجي، لم يكن ينظر إلى محطته العراقية كمرورٍ عابر. لقد حمل معه تاريخًا حافلًا بالبطولات لاعبًا ومدربًا مع ناديه ظفار (الزعيم)، وبقية الأندية العُمانية التي قادها، وعلى رأسها نادي السيب الذي تُوِّج معه بلقب كأس الاتحاد الآسيوي للمرة الأولى في تاريخ الأندية العُمانية، ليدخل التحدي الجديد في العراق كفرصةٍ لإثبات قيمة المدرب العُماني.
وبهدوء الواثق، بدأ المهندس أبو فيصل في إعادة تشكيل شخصية فريق القوة الجوية، فقاد الصقور إلى سلسلةٍ من الانتصارات المتتالية، وأعاد الثقة إلى اللاعبين، وأشعل الحماس في المدرجات، حتى تحول إلى أحد أكثر المدربين حضورًا وتأثيرًا في الدوري العراقي.
ومع كل انتصارٍ جديد، كانت أسهمه ترتفع في قلوب جماهير القوة الجوية، التي وجدت في المدرب العُماني شخصيةً قياديةً أعادت للفريق هيبته وروح المنافسة. ولم يكن النجاح وليد الصدفة أو نتاج لحظة عابرة، بل ثمرة رؤيةٍ فنية واضحة وخبرةٍ تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل والإنجاز.
وجاءت النهاية كما يحبها صُنَّاع الإنجازات؛ تتويجٌ بلقب دوري المحترفين العراقي، واعتلاءٌ لقمة الكرة العراقية، واحتفاءٌ جماهيريٌّ كبير برجلٍ استطاع أن يكتب صفحةً جديدة في مسيرته الحافلة، وأن يضيف إلى رصيد المدرب العُماني إنجازًا عربيًا لافتًا غير مسبوق.
وحين عاد إلى أرض الوطن، لم يكن الاستقبال الذي شهده مطار صلالة مجرد احتفاءٍ بلقبٍ كروي، بل كان رسالةَ تقديرٍ لرجلٍ آمن بعمله ومضى في طريقه بثقة، فحصد ثمار جهده وتفانيه. فقد احتشدت الجماهير العُمانية والعراقية المقيمة في السلطنة لاستقباله بالورود والأهازيج، في مشهدٍ استثنائي أطلق عليه كثيرون «ليلة رشيد»، احتفاءً بإنجازٍ تجاوز حدود البطولة إلى مساحة التقدير والاعتراف بقيمة النجاح.
وفي عمق هذا الإنجاز التاريخي تتجلى البصمة الخفية لعائلة المهندس رشيد جابر، التي شكّلت خط الدفاع الأول عن أحلامه وطموحاته. لقد وجد في كنف أسرته الدعم المطلق واليقين الثابت بكفاءته، فكانوا له الحصن الدافئ الذي امتص ضغوط الميدان وغربة الرحيل. هذا التتويج بلقب الدوري العراقي هو إهداءٌ صاغته أيدي الوفاء الأسري، ليؤكد أن نجاحات الكبار تبدأ دائمًا من إيمان القلوب التي تنتظرهم في ليل الوطن.
ولعلَّ أكثر ما يلفتُ في حكاية رشيد جابر ليس عددُ الألقاب التي حققها مع الفرق التي قادها، ولا حجمُ الإنجازات التي أضافها إلى سجله الحافل، بل استمراريته في النجاح أينما حلَّ، وقدرته على تحويل التحديات إلى محطاتٍ جديدة للإنجاز.
واصل رشيد جابر كتابة فصول مسيرةٍ استثنائية صنعت له مكانةً خاصةً في ذاكرة الجماهير العُمانية والخليجية والعراقية. إنها حكايةُ مدربٍ لم ينشغل كثيرًا بالرد على المشككين، لأن الإنجازات كانت تتولى هذه المهمة نيابةً عنه. فوفقه الله، ثم دعمته أسرته ومحبيه، وأنصفه الميدان، واحتفت به الجماهير، وبقيت النجاحات شاهدةً على أن الكفاءة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيجٍ كبير، بقدر ما تحتاج إلى فرصةٍ تُثبت فيها نفسها.
ومن عتباتِ المونديال إلى قمةِ العراق، كتب رشيد جابر فصلًا جديدًا في مسيرة رجلٍ اعتاد أن يجعل من النجاح لغته الأبلغ، ومن الميدان منصته الأصدق.
✍️ محسن بن محمد الفقيه


