حمود بن علي الطوقي
في إحدى ورش العمل التي قدمتها مؤخرًا لطلبة الدبلوم العام بعنوان «الصحافة المدرسية في عصر الذكاء الاصطناعي»، تعمدت أن أبدأ اللقاء بسؤال بدا بعيدًا عن موضوع الورشة. كان الهدف مجرد كسر الجليد وفتح باب الحوار مع الطلبة المشاركين، فسألتهم: ماذا تعرفون عن رؤية عُمان 2040؟ وما هي مرتكزاتها وأهدافها؟
كنت أتوقع أن تتدفق الإجابات من طلبة يعيشون في زمن التحول الرقمي والانفتاح المعرفي، وأن أجد معرفة واسعة بالرؤية الوطنية التي سترسم ملامح مستقبلهم. لكن الواقع كان مختلفًا؛ فقد كان التفاعل محدودًا، وأظهرت الإجابات أن معرفة عدد من الطلاب والطالبات بمرتكزات الرؤية وأولوياتها ما زالت دون المستوى المأمول.
عندها وجدت نفسي أؤجل الحديث عن الصحافة المدرسية والذكاء الاصطناعي، وأحوّل الساعة الأولى من الورشة إلى جلسة حوارية مفتوحة حول رؤية عُمان 2040. تحدثنا عن الإنسان والمجتمع، والاقتصاد والتنمية، والابتكار والتعليم، والهوية الوطنية، والاستدامة، وسوق العمل في المستقبل. ومع مرور الوقت بدأت الأسئلة تتدفق، وبدأ الطلبة يربطون بين أحلامهم الشخصية وبين الأهداف التي تسعى الرؤية إلى تحقيقها.
في تلك اللحظة أدركت أن لدينا جميعًا مسؤولية أكبر مما نتصور. فالرؤية الوطنية ليست وثيقة حكومية موجهة للمسؤولين أو الخبراء فقط، بل هي مشروع وطني يخص كل مواطن، وخاصة الشباب والناشئة الذين سيكونون في عام 2040 القوة الحقيقية التي ستترجم هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
إذا كان الطفل الذي يبلغ اليوم عشر سنوات سيصبح في عام 2040 شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، فإن طالب الدبلوم العام اليوم سيكون ضمن الكفاءات الوطنية التي ستقود المؤسسات والشركات والمشروعات الوطنية. ولهذا فإن نجاح رؤية عُمان 2040 لا يعتمد فقط على الخطط والاستراتيجيات، بل يعتمد كذلك على مدى وعي الأجيال الجديدة بها، وإيمانها بأهدافها، واستعدادها للمشاركة في تحقيقها.
إن الرؤية تتحدث عن اقتصاد قائم على المعرفة، وعن مجتمع مبدع ومنافس عالميًا، وعن مؤسسات حديثة، وعن تنمية مستدامة، وعن مواطن يمتلك المهارات اللازمة للمستقبل. لكن تحقيق هذه الأهداف يبدأ أولًا من بناء الوعي بها لدى الشباب.
وقد شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في تطوير التعليم وربط مخرجاته بمتطلبات المستقبل. وأصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي والبرمجة وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي جزءًا من مفردات المرحلة القادمة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير المعرفة، بل في بناء القناعة لدى الطالب بأن له دورًا مباشرًا في تحقيق الرؤية. فكل طالب يختار تخصصه الجامعي، وكل شاب يؤسس مشروعًا صغيرًا، وكل مبتكر يطور فكرة جديدة، يسهم بطريقة أو بأخرى في تحقيق مستهدفات عُمان 2040.
وهنا يأتي دور الإعلام والصحافة، وخاصة الإعلام الموجه للأطفال والناشئة. فالمطلوب اليوم ليس فقط نقل الأخبار أو تغطية الفعاليات، بل المساهمة في صناعة الوعي الوطني، وتبسيط مفاهيم الرؤية، وربطها بلغة يفهمها الجيل الجديد.
في قناعتنا، إن الطفل والناشئ لا يتفاعلان مع الوثائق الرسمية بقدر ما يتفاعلان مع القصة والصورة والمجلة والرسوم المتحركة والمحتوى الرقمي التفاعلي. ولذلك فإن الوصول إلى هذه الفئة يتطلب أدوات جديدة وخطابًا يتناسب مع اهتماماتها وطموحاتها. ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات الإعلامية المتخصصة في الطفولة والناشئة تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا في تعريف الأجيال الجديدة بمضامين الرؤية الوطنية، وتحويل أهدافها إلى مفاهيم مبسطة وقصص نجاح ونماذج ملهمة قريبة من واقعهم.
إن ما لمسته خلال تلك الورشة التدريبية يدفعني إلى التأكيد على أهمية تعزيز الوعي برؤية عُمان 2040 داخل البيئة المدرسية، ليس من خلال المحاضرات التقليدية فقط، بل عبر البرامج التفاعلية والمسابقات والمجلات المدرسية والأنشطة الثقافية والإعلامية. ومن هنا فإننا في مجلة «مرشد» نؤكد استعدادنا الكامل للتعاون مع التعليم والمؤسسات التربوية المختلفة لتقديم برامج وورش ومبادرات إعلامية وثقافية موجهة للطلبة، تسهم في تعريفهم بمرتكزات رؤية عُمان 2040 وأهدافها، وتربط بين طموحاتهم الشخصية ومستقبل وطنهم.
فالاستثمار الحقيقي لا يكمن في المباني أو التقنيات وحدها، وإنما في الإنسان القادر على صناعة التغيير وقيادة المستقبل.
ويبقى السؤال الأهم: كيف سنصل إلى عام 2040؟
الإجابة تبدأ من اليوم. تبدأ من الطالب الذي يعرف رؤيته الوطنية ويؤمن بها، ومن المعلم الذي يربط المعرفة بالمستقبل، ومن الأسرة التي تغرس الطموح في أبنائها، ومن الإعلام الذي يحول الرؤية إلى ثقافة مجتمعية يومية.
فعام 2040 ليس مجرد رقم في التقويم، بل موعد مع جيل جديد. جيل نأمل أن يكون أكثر معرفة وثقة وقدرة على الابتكار. جيل يدرك أن رؤية عُمان 2040 ليست مشروع حكومة فحسب، بل مشروع وطن بأكمله، وأنه سيكون صاحب الدور الأكبر في تحويل هذه الرؤية إلى واقع يعيشه الجميع.


