كتبها/ عيسى بن سالم البلوشي
الثلاثاء ٢٣/٠٦/٢٠٢٦
لم يعد الإنسان في عصرنا يكتفي بمعرفة الخبر أو الاطلاع على الحدث، بل أصبح يعيش داخل دوامة لا تنتهي من المتابعة والتحليل والتعليق والنقد. فمع كل إشعار جديد، يهرع الملايين إلى هواتفهم، يراقبون ما يحدث في العالم لحظة بلحظة، وكأن مصيرهم الشخصي مرتبط بكل خبر أو تغريدة أو مقطع فيديو يظهر على شاشاتهم.
أصبح كثير من الناس اليوم محللين في السياسة والاقتصاد والرياضة والإدارة والتنمية والعلاقات الدولية. يتحدثون في كل شأن، ويبدون آراءهم في كل قضية، ويصدرون الأحكام على كل مبادرة، ويشككون في كل إنجاز، ويقللون من شأن كل تجربة ناجحة. فإذا أعلنت دولة عن مشروع تنموي، وجدوا من يسخر منه. وإذا حققت مؤسسة إنجازاً، ظهر من يشكك في قيمته. وإذا بادر شخص إلى عمل نافع، انهالت عليه الانتقادات قبل كلمات التشجيع.
والأمر العجيب أن معظم هذا الجهد الذهني لا يغيّر شيئاً في الواقع، ولا يضيف شيئاً إلى حياة صاحبه. ساعات طويلة تُهدر في المتابعة والجدال والتعليق، بينما تتراكم الأعمال المؤجلة، وتتراجع الصحة النفسية والجسدية، وتضيع فرص التعلم والإنتاج والعطاء الحقيقي.
لقد نجحت شركات التواصل الاجتماعي في تحويل انتباه الإنسان إلى سلعة ثمينة. فكل دقيقة يقضيها المستخدم أمام الشاشة تعني مزيداً من الأرباح لهذه الشركات. وكل نقرة وإعجاب وتعليق ومشاركة تترجم إلى بيانات وإعلانات وعوائد مالية هائلة. وفي المقابل، يدفع المستخدم الثمن من وقته وتركيزه وصحته وعلاقاته الاجتماعية. الشركات تربح المليارات، بينما يخسر الكثيرون أعمارهم في متابعة ما لا ينفعهم.
إن أغلى ما يملكه الإنسان ليس المال، بل الوقت. فالمال يمكن تعويضه، أما الساعات التي تمضي فلن تعود أبداً. ومن المؤلم أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أنه قضى آلاف الساعات في متابعة أخبار عابرة ونقاشات لا تنتهي، بينما كان بإمكانه أن يقرأ كتاباً، أو يتعلم مهارة، أو يطور مشروعاً، أو يجلس مع أسرته، أو يستثمر في صحته ومستقبله.
لا أحد يطالب بالانقطاع الكامل عن وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أدوات نافعة إذا أحسن استخدامها. لكن الحكمة تقتضي أن نكون نحن من يستخدمها، لا أن تستخدمنا هي. وأن نختار ما نتابع، لا أن نقضي أعمارنا أسرى لما تفرضه الخوارزميات علينا. فليكن حضورنا الرقمي محدوداً وواعياً، وليكن وقتنا الحقيقي موجهاً نحو البناء والإنتاج والتعلم والعلاقات الإنسانية الصادقة.
في نهاية المطاف، لن يسألنا أحد عن عدد المنشورات التي علقنا عليها، ولا عن عدد النقاشات التي خضناها، ولا عن كمية الأخبار التي تابعناها. ولكننا سنسأل أنفسنا يوماً: ماذا صنعنا بأعمارنا؟ وماذا أضفنا لأنفسنا ولمن حولنا؟ عندها سندرك أن الحياة أقصر من أن تُستهلك في شاشة، وأثمن من أن تُهدر في ضجيج لا ينتهي.


