المنطقة الحرة بصلالة.. 20 عاماً من تحويل المقومات الوطنية إلى استثمارات وصناعات عالمية

نشرت :

المنطقة الحرة بصلالة.. 20 عاماً من تحويل المقومات الوطنية إلى فرص استثمارية عالمية

صلالة عادل سعيد اليافعي 

انطلقت قبل عشرين عام المنطقة الحرة بصلالة برؤية طموحة تستهدف الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الفريد لصلالة على خطوط التجارة البحرية العالمية وتحويله إلى منصة عالمية للصناعة والاستثمار والتجارة. واليوم، وبعد عقدين من الإنجازات المتواصلة، أصبحت المنطقة الحرة بصلالة واحدة من أبرز قصص النجاح الاقتصادية في سلطنة عُمان، ونموذجاً وطنياً في تحويل المقومات الطبيعية والاقتصادية لمحافظة ظفار إلى استثمارات وصناعات ومنتجات ذات قيمة مضافة تصل إلى الأسواق العالمية.

وخلال مسيرتها الممتدة منذ عام 2006، تمكنت المنطقة الحرة بصلالة من استقطاب استثمارات تراكمية تجاوزت 5.1 مليار ريال عماني، لتضم اليوم 75 مشروعاً قيد التشغيل و20 مشروعاً قيد الإنشاء والتطوير، فيما بلغت نسبة إشغال الأراضي القابلة للتأجير 50%، ووصلت نسبة إشغال المستودعات إلى 77%، ما يعكس الثقة المتزايدة التي تحظى بها المنطقة من المستثمرين المحليين والدوليين.

وشهدت المنطقة الحرة بصلالة نمواً استثنائياً في حجم الاستثمارات المستقطبة على مدى العقدين الماضيين، حيث ارتفع حجم الاستثمار التراكمي من 365.5 مليون ريال عماني في عام 2007 إلى 965.3 مليون ريال عماني في عام 2010، ثم تجاوز 1.13 مليار ريال عماني في عام 2015، قبل أن يقفز إلى 3.4 مليار ريال عماني في عام 2020، ليواصل نموه ويصل إلى أكثر من 5.1 مليار ريال عماني في عام 2025. ويجسد هذا النمو المتسارع الثقة المتنامية للمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، وقدرة المنطقة على استقطاب مشاريع صناعية ولوجستية نوعية أسهمت في ترسيخ مكانة صلالة كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير.

كما شهدت المنطقة الحرة بصلالة نمواً ملحوظاً في عدد الشركات العاملة والمشاريع الاستثمارية النشطة منذ تأسيسها، حيث بدأت بشركتين فقط عند انطلاق أعمالها، وارتفع العدد إلى 6 شركات في عام 2007، ثم إلى 17 شركة في عام 2010. ومع تطور البنية الأساسية وتعزيز المزايا الاستثمارية، تسارعت وتيرة استقطاب المستثمرين ليصل عدد الشركات النشطة إلى 94 شركة في عام 2015، قبل أن يرتفع إلى 105 شركات بحلول عام 2025. ويعكس هذا النمو قدرة المنطقة الحرة بصلالة على استقطاب واستدامة الاستثمارات النوعية وتحولها إلى بيئة أعمال متكاملة تحتضن شركات محلية وإقليمية وعالمية في قطاعات متنوعة.

ولم تقتصر إنجازات المنطقة الحرة بصلالة على استقطاب الاستثمارات فحسب، بل شملت أيضاً تطوير بنية أساسية متكاملة شكلت الأساس الذي قامت عليه هذه النجاحات. فعلى مدى العقدين الماضيين، استثمرت المنطقة في تطوير شبكة حديثة من الطرق الداخلية والمرافق الخدمية، وإنشاء وتوسعة المستودعات والمباني الجاهزة، وتطوير شبكة الغاز الطبيعي الداعمة للصناعات، إلى جانب تجهيز الأراضي الصناعية بمختلف الخدمات اللازمة لتمكين المستثمرين من بدء أعمالهم والتوسع فيها بكفاءة عالية. كما أسهم تكامل المنطقة المباشر مع ميناء صلالة في توفير منظومة لوجستية متكاملة تجمع بين الإنتاج والتخزين والتصدير في موقع واحد، الأمر الذي عزز من تنافسيتها وقدرتها على استقطاب المشاريع الصناعية الكبرى.

وتتميز المنطقة الحرة بصلالة بتنوع قاعدة المستثمرين فيها، حيث تستقطب استثمارات من سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي والهند والصين والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، الأمر الذي أسهم في نقل الخبرات والتقنيات العالمية وتعزيز مكانة صلالة كمركز صناعي ولوجستي يخدم الأسواق الإقليمية والدولية.

ولم يكن نجاح المنطقة الحرة بصلالة قائماً على الموقع الاستراتيجي فحسب، بل على قدرتها على الاستفادة من المقومات الاقتصادية الفريدة التي تتمتع بها محافظة ظفار. فمن الغاز الطبيعي نشأت صناعات بتروكيماوية وتحويلية تسهم في إنتاج مواد تدخل في آلاف المنتجات والصناعات حول العالم. ومن الثروات المعدنية الغنية بالحجر الجيري والجبس، تم تطوير صناعات تعدينية وتحويلية تزود الأسواق الإقليمية والعالمية بمواد أساسية تدخل في قطاعات البناء والصناعة والطاقة.

كما استفادت المنطقة من الإمكانات الزراعية الواعدة في منطقة النجد، من خلال استقطاب استثمارات في الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي ورفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية المحلية. ومن أبرز النماذج الناجحة في هذا المجال قيام إحدى الشركات العاملة في الصناعات الغذائية بالتعاقد مع نحو 35 مزارعاً في منطقة النجد لزراعة السمسم محلياً، ليتم استخدامه في تصنيع الحلاوة الطحينية ومنتجات غذائية أخرى داخل المنطقة الحرة، بما يخلق سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من المزرعة وتنتهي بمنتج صناعي يحمل قيمة مضافة أعلى.

كما استفادت شركات صناعية أخرى من المبادرات الوطنية مثل برنامج “لدائن”، حيث نجحت في تحويل المواد البلاستيكية إلى منتجات متخصصة تستخدم في الصناعات الطبية والغذائية، ما يعكس دور المنطقة الحرة في دعم الصناعات التحويلية المتقدمة وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.

وفي القطاع السمكي، دعمت المنطقة تطوير الصناعات المرتبطة بالثروة السمكية من خلال التصنيع والتعبئة والتغليف والتصدير، ما ساهم في تعزيز حضور المنتجات البحرية العُمانية في الأسواق العالمية.

واليوم، تخرج من المنطقة الحرة بصلالة منتجات متنوعة تمس حياة الملايين حول العالم. فمن مصانعها تُنتج الأدوية والمحاليل الطبية والمستلزمات الصحية، ومنتجات الألبان والعصائر والزيوت النباتية والمنتجات الغذائية المصنعة، إضافة إلى المواد الكيميائية والبتروكيماوية المتخصصة، ومنتجات البلاستيك والتغليف الصناعي، والمحارم الورقية ومنتجات العناية الصحية، وأنظمة التكييف والتبريد، ومنتجات التعدين ومواد البناء، فضلاً عن المنتجات الصديقة للبيئة الناتجة عن مشاريع إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.

كما تحتضن المنطقة صناعات متخصصة تُنتج مكونات وقطعاً تدخل في صناعة السيارات العالمية، بما في ذلك بطانات وأنظمة الفرامل المستخدمة في عدد من أشهر العلامات التجارية العالمية، إلى جانب منتجات هندسية وصناعية متقدمة يتم تصديرها إلى أسواق متعددة حول العالم.

ولم يقتصر نمو المنطقة الحرة بصلالة على الاستثمارات وعدد الشركات فحسب، بل انعكس بشكل مباشر على حجم التبادل التجاري الذي شهد نمواً متسارعاً على مدى السنوات الماضية. فبينما كان النشاط التجاري عند التأسيس محدوداً ويقتصر على عدد قليل من الشركات والمشاريع في مراحلها الأولى، توسعت القاعدة الصناعية والاستثمارية تدريجياً لتتحول المنطقة الحرة إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي يخدم الأسواق العالمية. وخلال الفترة من 2021 إلى 2025، ارتفع إجمالي حجم التبادل التجاري من 4.06 مليون طن إلى 8.38 مليون طن، محققاً نمواً تجاوز 106% خلال خمس سنوات فقط. كما سجلت البضائع الجافة أعلى معدلات النمو، حيث ارتفعت من 1.42 مليون طن في عام 2021 إلى أكثر من 4.11 مليون طن في عام 2025، فيما تجاوزت حركة مناولة الحاويات 225 ألف حاوية نمطية (TEU)، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله خلال الفترة.

وشهدت المنطقة الحرة بصلالة تحولاً نوعياً في طبيعة الاستثمارات المستقطبة على مدى العقدين الماضيين. ففي المرحلة التأسيسية الممتدة بين عامي 2007 و2015، ركزت الجهود على استقطاب المشاريع الصناعية الكبرى كثيفة رأس المال، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لصلالة وتوافر الموارد الطبيعية. وتمثلت أبرز الاستثمارات في قطاعات البتروكيماويات وصناعات الميثانول والأمونيا والتعدين ومواد البناء والصناعات البلاستيكية والخدمات اللوجستية.

أما خلال الفترة من 2016 إلى 2025، فقد انتقلت المنطقة إلى مرحلة أكثر نضجاً وتنوعاً، حيث توسعت قاعدة الاستثمارات لتشمل الصناعات الغذائية والأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والصناعات التحويلية المتخصصة، والخدمات اللوجستية المتقدمة، إضافة إلى مشاريع إعادة التدوير والاقتصاد الدائري والتقنيات الحديثة، مع استمرار استقطاب المشاريع الاستراتيجية الكبرى في قطاعات البتروكيماويات والطاقة.

ولم تقتصر مساهمة المنطقة الحرة بصلالة على جذب الاستثمارات والصادرات فحسب، بل امتدت إلى خلق فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في التنويع الاقتصادي والاستدامة.

وقال الدكتور علي بن تبوك، الرئيس التنفيذي للمنطقة الحرة بصلالة:

“نحتفل اليوم بمرور عشرين عاماً على تأسيس المنطقة الحرة بصلالة، وهي مناسبة نستذكر فيها مسيرة من العمل والإنجاز والشراكات الناجحة التي أسهمت في بناء قاعدة صناعية واستثمارية متينة. لقد نجحت المنطقة خلال هذه السنوات في استقطاب استثمارات نوعية من مختلف دول العالم، وتحويل المقومات الطبيعية التي تتمتع بها محافظة ظفار وسلطنة عُمان إلى صناعات ومنتجات ذات قيمة مضافة عالية تسهم في دعم الصادرات الوطنية وخلق فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي. كما استثمرنا بشكل مستمر في تطوير البنية الأساسية والخدمات اللوجستية التي مكنت المستثمرين من النمو والتوسع. ونحن اليوم ننظر إلى المستقبل بثقة كبيرة، مستندين إلى ما تحقق من إنجازات، وماضين نحو استقطاب المزيد من المشاريع الاستراتيجية في الصناعات المتقدمة والاقتصاد الأخضر والطاقة منخفضة الكربون، بما يعزز مكانة المنطقة الحرة بصلالة كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان.”

وبينما تدخل المنطقة الحرة بصلالة عقدها الثالث، فإنها تواصل ترسيخ مكانتها كوجهة عالمية للاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وبنيتها الأساسية المتطورة، وتنوع موارد محافظة ظفار، لتبقى نموذجاً وطنياً ناجحاً في تحويل المقومات الوطنية إلى فرص استثمارية عالمية، وتحويل الموارد إلى صناعات، والصناعات إلى صادرات، والصادرات إلى قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد العُماني.

فمن صلالة إلى العالم، تستمر قصة نجاح بدأت قبل عشرين عاماً، وما زالت فصولها تُكتب كل يوم من خلال استثمارات جديدة، ومنتجات تحمل شعار “صُنع في عُمان”، وفرص تنموية تسهم في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img