مخيمات خديمون وسنباحة…حكاية خريفية لا تنطفئ

نشرت :

بقلم/ الحكواتية والكاتبة ثمنة الجندل

إذا سألتَ إحدى الجدات في منطقة الحصن عن أجمل مخيمات الخريف في سهل أتين، فستبتسم قبل أن تجيب، وكأنها فتحت صندوقًا من الذكريات، ثم تقول:
“مخيمات خديمون وسنباحة… التخييم معهن شيءٌ ثاني؛ أيام جميلة، وسوالف لا تُنسى.”
وما إن يُذكر اسما الوالدة خديمون بنت مسعود والوالدة سنباحة بنت الشر، حتى تستيقظ في الذاكرة حكايات الخريف الجميلة. فهاتان المرأتان لم تحافظا على عادة التخييم فحسب، بل أعادتا إليها روحها، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة ظفار.
قديمًا، كان للخريف طعم مختلف. لم تكن هناك مطاعم أو مقاهٍ أو مراكز ترفيه كما نراها اليوم، بل كانت السهول تكتسي بالخيام. تنتشر مخيمات الأهالي بين الجرابيب؛ وهي السهول الواسعة، والدعون؛ وهي الأراضي المنبسطة، فتبدو وكأنها لوحة تراثية تنسجم مع جمال الطبيعة.
كانت بعض الأسر تخيم في صحلنوت، وأخرى في أتين، بينما اشتهرت ريسوت باحتضان أكبر المخيمات النسائية، إلى جانب مخيمات عائلية كانت تجمع الأقارب والأصدقاء طوال موسم الخريف.
ولم تكن الخيمة مكانًا للنزهة فقط، بل كانت بيتًا واسعًا يجمع القلوب. تلتقي فيه القريبات بعد طول غياب، وتتبادل النساء الخبرات في صناعة البخور والعطور، وإعداد الأطعمة الشعبية، وتطريز الملابس، وكل ما يتعلق بحياة المرأة الظفارية.
ومع غروب الشمس، وبعد صلاة العشاء، تبدأ الحكاية الأجمل…
تلتف النساء والفتيات في حلقات السمر، وترتفع أصوات المدار والطبل والربوبة وغيرها من الفنون الشعبية، بينما تتردد الأغاني والأهازيج، وتُروى الحكايات التي تحمل خلاصة التجارب والحِكم والعِبر. وكانت الأغنية التي تُغنى في أحد المخيمات لا تلبث أن تنتشر في بقية المخيمات، حتى يحفظها الجميع. ولو وصفناها بلغة اليوم، لقلنا إنها كانت “ترند الخريف.”
أما ريسوت، فكانت تزداد سحرًا في موسم الخريف، بمرتفعاتها الرملية مثل بهيم والحمر ورأس حمار وخيصة بن عربية، حتى أصبحت مصدر إلهام للشعراء والفنانين.

فقال الشاعر والفنان الراحل مؤمن بن خميس سبيتي بيت بن سليم:
“طلعت بهيم والحمر والخيصة
ولندن اللي بالزين مزبونة
يا صاحبي والخيل مرصونة
شفت الرطب والموز اللي حمل
غير العنب من كل مأمونة.”
وقال شاعر وفنان ظفار الراحل جمعان ديوان:
“طلعت بهيم كله على شانش
ما معي مهرة خليت حياتي
يا مئزر جديد شغل البريطاني.”
لكن الرائع مما قدمته الوالدة خديمون والوالدة سنباحة؛ أن المخيم لم يكن مجرد خيمة، بل كان مدرسة للحياة.
ففي الصباح، تتعلم الفتيات خدمة كبيرات السن، واستقبال الضيوف، والعناية بالأطفال، وإعداد الطعام، وصناعة شاي الجمر، واستخراج القطميم من الحليب، إلى جانب تحمل المسؤولية والعمل بروح الجماعة.
وفي المساء، تجتمع الجدات حول الفتيات، فتنساب الحكايات والأمثال، وتنتقل الخبرات من جيل إلى آخر، فيتعلم الجميع أن الحكاية ليست للتسلية فقط، بل للحكمة والتربية أيضًا.
ولم يغب الجمال عن تلك المدرسة؛ فقد كانت الجدات يعلمن الفتيات أسرار العناية بالبشرة باستخدام الصبر والكركم والنيل والزيوت والأعشاب الطبيعية، فيما يعرف محليًا بـ“التخمال”. وكان الأجداد يقولون:
“يا تخمال الخريف… ويا تكاشف الصرب.”
أي أن ما تزرعه الفتاة من عناية في الخريف، يظهر أثره وجماله في موسم الصرب.
ولم تكن موائد المخيم تخلو من خيرات الموسم، مثل الكوم الحامض – الذي لا يُستحب تناوله نيئًا لما قد يسببه من ألم في الحلق – إلى جانب التنتلي والقمبأ، وغيرها من نباتات الخريف التي ارتبطت بذاكرة المكان.
واليوم، كلما أقبل الخريف، حضرت في الذاكرة مخيمات خديمون وسنباحة. لم تكن مجرد خيام، بل كانت حياةً كاملة تُعاش. هناك كان التراث يُمارس، لا يُعرض، وكانت البنات يتعلمن القيم قبل المهارات، ويعشن الخريف كما عاشته الجدات.
لقد أعادت الوالدة خديمون بنت مسعود والوالدة سنباحة بنت الشر إلى الأذهان كثيرًا من مفردات التراث الظفاري، وأثبتتا أن التراث لا يُحفظ في الكتب وحدها، بل يبقى حيًا حين نعيشه، ونمارسه، ونورثه للأجيال.
رحم الله الوالدة خديمون، ورحم الله الوالدة سنباحة، فقد تركتا أثرًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الناس، وأسهمتا في إحياء عادة التخييم في البرية، حتى تعرّف إليها الجيل الجديد، وأحبها، وعاش شيئًا من تفاصيلها.
وهكذا يبقى خريف ظفار أكثر من موسم… إنه حكاية تتجدد كل عام، وتبقى مخيمات خديمون وسنباحة شعلةً من التراث، وحكايةً خريفيةً لا تنطفئ

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img