حين يرحل أهل المعروف… يبقى أثرهم شاهدا عليهم.. عبدالله الجعفري.. من الخطوة إلى “الشرع”.. سيرة مواطن بنى مجدا بالعزيمة والعمل

نشرت :

بقلم: مؤمن بن قلم الهنائي

ليست قيمة الإنسان فيما يملك، وإنما فيما يتركه من أثر في القلوب، وما يغرسه من خير في حياة الناس. وحين يغيب رجل أفنى عمره في العمل والعطاء، وفتح أبواب الرزق للآخرين، ومد يد العون للمحتاجين، وشجع الشباب على التعلم والإنتاج، فإن الحزن عليه لا يقتصر على أسرته ومحبيه، بل يمتد ليشمل مجتمعا بأكمله عرف فيه نموذجا للإنسان العصامي وصاحب الخلق الرفيع.
ولعل ذلك يفسر، ولا غرابة، أن تضج وسائل التواصل الاجتماعي بخبر رحيل الاخ العزيز والصديق عبدالله بن سعيد الجعفري، وأن تمتلئ صفحاتها بعبارات الحزن والأسى والدعوات الصادقة له بالرحمة والمغفرة، وأن يجعل الله الفردوس الأعلى من الجنة مسكنه، فقد كان من أولئك الرجال الذين تركوا في حياة الناس مواقف لا تنسى، وأثرا لا يمحوه الزمن.
رحم الله الخلوق عبدالله بن سعيد الجعفري، فقد عرفته منذ بداياته شغوفا بالطموح، مؤمنا بأن النجاح لا يأتي إلا بالاجتهاد والتعلم المستمر. جمعتني به في سنوات الشباب دورات تدريبية في اللغة الإنجليزية بعدد من المعاهد المتخصصة في نزوى، كما تلقينا معا دورة في تعلم الطباعة على الآلة الكاتبة اليدوية بالمعهد المهني بنزوى، ثم شاركنا بعد ذلك في عدد من الدورات التدريبية المسائية في معاهد مختلفة والكلية الفنية. وكان، رحمه الله، مثالا للانضباط والالتزام، حريصا على أداء الصلوات في أوقاتها، وكان جل حديثه يدور حول أهمية التعلم واغتنام كل فرصة لاكتساب المعرفة وصقل المهارات، وهي سمة لازمته طوال حياته حتى أصبح أحد أبرز رواد الأعمال في سلطنة عمان.
ولا تزال عالقة في الذاكرة لقاءاتي الصحفية معه في بدايات مشواري بجريدة الوطن، حين كان يفتح لي قلبه قبل حديثه، ويتحدث بشغف عن صناعات قصب السكر، والصناعات الحرفية التي تزخر بها ولاية بهلاء، وعن رؤيته لريادة الأعمال وتطوير الصناعات الوطنية. وكان يؤمن بأن العمل والإنتاج هما الطريق الحقيقي لبناء الإنسان، وأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في المال.
وقبل أشهر قليلة فقط، سعدت بتلبية دعوته الكريمة إلى مجلسه العامر لتناول القهوة، بصحبة الزميل والصديق الشيخ سعيد بن خلفان النعماني ونخبة من الأصدقاء. استقبلنا بابتسامته الصادقة، وكرمه المعهود، وروحه المرحة، وحديثه الذي لا يخلو من الحكمة والتفاؤل واستحضار الذكريات الجميلة. خرجت من ذلك اللقاء وأنا أكثر يقينا بأن الرجال الكبار لا تصنعهم مناصبهم ولا ثرواتهم، بل تصنعهم أخلاقهم وتواضعهم وحسن تعاملهم مع الناس.
لقد كان، رحمه الله، رجل خير بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فتح أبواب العمل لأبنائه وأقاربه وعدد كبير من الشباب، وأسهم في دعم المبادرات المجتمعية والخيرية، ووقف إلى جانب المحتاجين في صمت، بعيدا عن الأضواء، فجمع بين النجاح في عالم التجارة والصناعة، والسبق في ميادين الخير والبذل والعطاء.
وبرحيله المفجع، فقدت ولاية بهلاء، وسلطنة عمان، مواطنا محبا للخير، ورجلا جد واجتهد، فأعطاه الله على قدر ما سعى، لتبقى العلامة التجارية “الشرع” بصمة راسخة وشاهدا على مسيرة رجل أسس بنيانها على الثقة والإيمان بقيمة العمل الحر. وقبل ذلك كله، ترك إرثا محمودا من القيم النبيلة، والكرم، والإخلاص، والإحسان إلى الناس، وهي ثروة لا تفنى، وأثر يبقى حيا في القلوب، وتتناقله الأجيال بكل تقدير ووفاء.
رحم الله الأخ العزيز عبدالله بن سعيد الجعفري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل الفردوس الأعلى من الجنة منزله، وجزاه عن وطنه ومجتمعه خير الجزاء، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل كل ما قدمه من خير وعطاء في ميزان حسناته، إنه سميع مجيب.
قال تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى”.
صدق الله العظيم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img