بقلم /سميرة أمبوسعيدية
أقف أمامه كلما أثقلتني الأيام، وأقترب من موجه كأنني أقترب من صديقٍ قديم يعرف تفاصيل قلبي دون أن أنطق بكلمة. أنظر إلى امتداده اللامتناهي فأرى نفسي فيه؛ هادئةً من الخارج، وعميقةً في الداخل، أخفي بين أضلعي أسرارًا لا يعلمها أحد.
أقول له:
يا بحر، كم تُشبه القلب حين يمتلئ بالحب! تبدو ساكنًا، لكن في أعماقك عواصف من المشاعر، وذكرياتٌ ترفض الرحيل، وأحلامٌ تنتظر شروقها.
أنت لا تحمل الماء فقط، بل تحمل قصص العاشقين، ودموع المشتاقين، وضحكات من مروا على شواطئك وتركوا لك شيئًا من أرواحهم. كم من قلبٍ جلس أمامك يبحث عن إجابة؟ وكم من عينٍ بكت بين أمواجك حتى خفّ وجعها؟
وحين تبدأ أمواجك بالتراقص، أشعر وكأنها تعزف سيمفونية حبٍ لا تنتهي. تأتي موجةٌ هادئة فتقول:
هنا حبٌ وُلد من نظرةٍ صادقة.
وتأتي أخرى لتهمس:
هنا قلبٌ انتظر طويلًا ولم يفقد الأمل.
ثم ترتفع موجةٌ أكبر لتخبرني:
هنا فرحٌ خبأته الأيام حتى يحين موعده.
وفي كل مدٍّ وجزر، أتعلم منك أن الحياة لا تسير على وتيرةٍ واحدة؛ فكما تنسحب أمواجك، فإنها تعود من جديد، وكما تغيب بعض الأفراح، فإنها تعود بأشكالٍ أجمل.
يا بحر…
كم من أسراري ألقيتها في حضنك! وكم من دعواتي حملتها رياحك إلى السماء! وكم من حنينٍ أخفيته في أعماقك حتى لا يراه أحد!
أراك في الليل أكثر صدقًا، حين ينعكس القمر على صفحتك فتبدو كأنك ترتدي ثوبًا من الضوء. هناك، يصبح الصمت لغة، وتصبح الأمواج همسات، وتصبح النجوم شهودًا على حديث القلب.
أجلس أمامك فأشعر أنك تُصغي إليّ بكل اتساعك، لا تقاطعني، لا تحاسبني، ولا تسألني عن سبب حزني. فقط تحتضن صمتي وتمنحني سلامًا لا أجده في مكانٍ آخر.
يا بحر…
أنت لست مجرد ماءٍ يمتد حتى الأفق، بل وطنٌ للأسرار، ومرآةٌ للمشاعر، ورفيقٌ لكل قلبٍ أثقله الحنين.
وفي كل مرةٍ أرحل عنك، أترك على شاطئك جزءًا مني، وأعود وأنا أحمل في قلبي طمأنينةً تشبه صوت أمواجك… تلك الأمواج التي لا تتوقف عن الهمس:
هناك حب… هناك فرح… هناك سعادة… وما زال في القلب متسعٌ لكل الأحلام.


