سلسلة الألعاب الشعبية في محافظة ظفار (1960–1985)

نشرت :

تُشكّل الألعاب الشعبية في محافظة ظفار إرثًا ثقافيًا متجذّرًا في ذاكرة المجتمع، حيث كانت الساحات المفتوحة والبيئات الطبيعية مسرحًا حيًّا لممارساتٍ يومية صاغت ملامح الطفولة، وعزّزت روح الجماعة، وأسهمت في تنمية المهارات الذهنية والبدنية. وفي إطار هذه السلسلة التوثيقية، نستهلّ الحديث بأولى هذه الألعاب العريقة: لعبة الطاب، التي برزت كواحدةٍ من أكثر الألعاب انتشارًا وعمقًا من حيث البناء الفكري والتنظيمي.

(1) لعبة الطاب: فنّ التخطيط وبراعة المناورة

تقوم لعبة «الطاب» على منظومة متكاملة تجمع بين الحظ والتخطيط، حيث تُمارَس باستخدام لوحة خشبية مربّعة، مُقسّمة إلى شبكة من المربعات المتناسقة، تتخللها علامات هندسية مميّزة في الزوايا ووسط الجوانب، تُحدّد مسارات الحركة ومواقع التمركز. ويعكس تصميم اللوحة طابعًا تراثيًا أنيقًا، تُرسم فيه الخطوط بوضوح لتوجيه سير اللعب وفق قواعد دقيقة.

تعتمد اللعبة على أربعة أعواد خشبية أسطوانية تُعرف بـ«عِصيّ الطاب»، لكل منها وجهان مختلفان (أملس وخشن)، وتُستخدم هذه الأعواد لتحديد عدد الخطوات التي تتحرك بها قطع اللعب، بناءً على وضعية سقوطها عند الرمي. وتُعدّ هذه الآلية عنصرًا أساسيًا يُضفي على اللعبة طابع الاحتمال والتشويق.

أما قطع اللعب، فتأتي بأشكالٍ متنوّعة، كالهلالية والمعينية والمثلثية، وتتحرّك عبر مربعات اللوحة وفق نتائج الرمي وخطة اللاعب. ويكمن جوهر اللعبة في قدرة اللاعب على اتخاذ قرارات مدروسة، تجمع بين التقدير الدقيق للمسافات، واستشراف حركة الخصم، وحسن توظيف الفرص المتاحة.

ولا تُعدّ «الطاب» مجرد لعبة ترفيهية، بل هي تدريبٌ ذهني متكامل، يُنمّي مهارات التفكير الاستراتيجي، ويعزّز الصبر والتركيز، كما تُسهم في ترسيخ قيم التنافس الشريف والتفاعل الاجتماعي بين اللاعبين من مختلف الأعمار.

لقد ظلّت هذه اللعبة، خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى منتصف الثمانينيات، حاضرةً في تفاصيل الحياة اليومية لأبناء ظفار، تُمارَس في المجالس والساحات، وتُورَّث من جيلٍ إلى جيل، شاهدةً على بساطة الحياة وعمقها في آنٍ واحد.

وتبقى «الطاب» مثالًا حيًّا على ثراء الموروث الشعبي الظفاري، بما تحمله من دلالات ثقافية وإنسانية، تستحق التوثيق والإحياء ضمن ذاكرة الوطن.

(2) لعبة القود: توازن الخطوة ودقّة المهارة

تُواصل الألعاب الشعبية في محافظة ظفار حضورها بوصفها مكوّنًا أصيلًا من ملامح الحياة الاجتماعية، حيث شكّلت، عبر عقودٍ طويلة، فضاءً رحبًا للتفاعل والتعلّم، وميدانًا لاكتساب المهارات وتعزيز القيم. وفي هذه الحلقة الثانية من السلسلة، نسلّط الضوء على واحدةٍ من أبرز ألعاب الفتيات، وهي لعبة القود، التي امتازت ببساطتها وعمقها المهاري في آنٍ واحد.

تُمارَس «القود» في الهواء الطلق، غالبًا في الساحات الترابية أمام المنازل أو في باحات الأحياء، حيث تُرسم «المداين» – وهي مجموعة من المربعات المتتابعة – باستخدام مواد بسيطة، كالجير أو الفحم، لتشكّل مسارًا هندسيًا واضح المعالم. وتبدأ اللعبة عادةً برسم ثلاث مربعات رئيسية متتالية، تتبعها مربعات إضافية، مع تقسيم بعض «المدن» إلى جزأين متساويين، مما يزيد من صعوبة المسار ويتطلّب دقّة أكبر في الحركة.

تعتمد بداية المنافسة على مهارة الرمي، إذ تمسك اللاعبة بحجرٍ أملس صغير، وتقوم بإلقائه داخل أحد المربعات المحددة، بشرط أن يستقر داخله دون أن يلامس الخطوط الفاصلة. ويُعدّ نجاح هذه الخطوة مفتاحًا أساسيًا للاستمرار في اللعب.

عقب ذلك، تبدأ اللاعبة رحلتها عبر «المداين» بالقفز على قدمٍ واحدة فقط، متجاوزةً المربع الذي استقر فيه الحجر، دون أن تطأه أو تلامس الخطوط المرسومة. ويتطلّب ذلك توازنًا دقيقًا، وتركيزًا عاليًا، وقدرةً على التحكم في الحركة بثباتٍ وانسيابية.

تستمر اللاعبة في التقدّم حتى تصل إلى نهاية المسار، ثم تعود بالطريقة ذاتها، محافظةً على الشروط نفسها من التوازن والدقة. وتنتقل الأدوار بين اللاعبات في أجواءٍ يسودها الحماس والتشجيع، وتُعلَن الفائزة في نهاية المطاف بناءً على قدرتها على اجتياز جميع «المداين» دون ارتكاب أي خطأ.

ولا تقتصر «القود» على كونها لعبة ترفيهية للفتيات، بل تُعدّ تدريبًا عمليًا على مهارات التوازن الجسدي، والدقة الحركية، والانضباط، كما تُسهم في تعزيز الثقة بالنفس وروح التحدي، ضمن إطارٍ اجتماعي يعكس روح التعاون والتنافس الشريف.

لقد احتلّت هذه اللعبة مكانةً مميزة في ذاكرة الفتيات خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى منتصف الثمانينيات، حيث كانت تُمارَس يوميًا تقريبًا، وتُشكّل جزءًا من تفاصيل الحياة البسيطة التي لا تُنسى.

وتبقى «القود» شاهدًا حيًّا على جمال الموروث الشعبي الظفاري، بما تحمله من قيمٍ تربوية وإنسانية، تستحق أن تُروى وتُحفظ للأجيال القادمة.

ك. ش. أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس
بنت المنصب

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img