حين بكى أحمد… ظفار العز تلبي النداء

نشرت :

د. رفيعه الحجري

30 يونيو 2026

ليست كل المواقف تُنسى مع مرور الأيام، فهناك مواقف تبقى خالدة في الذاكرة، يرويها الناس جيلاً بعد جيل، لأنها كُتبت بمواقف الرجال، وسُطرت بصدق القلوب، ورُويت بعطاءٍ لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا. ومن هذه المواقف المشرفة ما جسّده أبناء محافظة ظفار في استجابتهم لنداء علاج الطفل أحمد، في صورة إنسانية ستظل شاهدة على أصالة هذا المجتمع وتلاحمه.

فما إن ارتفع نداء الاستغاثة، حتى تحركت القلوب قبل الأقدام، وتسابقت الأيادي قبل الكلمات. فلبّى النداء أبناء ظفار من أقصى المحافظة إلى أقصاها، واجتمع عليه الشاب والشيخ، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، في مشهدٍ يعجز الوصف عن الإحاطة بعظمته، ويبعث في النفوس الفخر والاعتزاز.

لقد كشف هذا الموقف عن معدن المجتمع الظفاري الأصيل، وأظهر ما يتحلى به أبناؤه من شهامةٍ ونخوةٍ وإيثارٍ وكرم، فلم تكن التبرعات مجرد أموال تُدفع، بل كانت رسائل محبة، ومواقف وفاء، وإيمانًا بأن إنقاذ حياة إنسان هو أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان. ورغم ما يواجهه الناس من أعباء الحياة وتحدياتها، فإن ذلك لم يحل بينهم وبين أداء واجبهم الإنساني، بل بذل كلٌّ منهم ما استطاع، مؤمنين بأن قيمة العطاء لا تُقاس بكثرته، وإنما بصدق النية وعظمة المقصد. وهكذا اجتمعت الأيادي، وتوحدت القلوب، ليكتب أبناء ظفار صفحةً جديدةً من صفحات المجد الإنساني.

وليس هذا الموقف وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخٍ عريق عُرف به أهل ظفار، الذين طالما كانوا أهل فزعةٍ للملهوف، وعونًا للمحتاج، وسندًا للضعيف. إنها قيمٌ متجذرة في نفوسهم، توارثوها جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت سمةً تميز مجتمعهم، وعنوانًا لأصالته. لقد أثبتت ظفار أن قوة المجتمعات لا تُقاس بما تملكه من إمكانات مادية فحسب، وإنما بما تحمله قلوب أبنائها من رحمة، وما يجمعهم من تلاحم وتكافل، وما يملكونه من استعداد للتضحية عندما ينادي الواجب. فالمجتمعات العظيمة هي التي تقف صفًا واحدًا في أوقات الشدة، وتجعل من التضامن قوة، ومن الرحمة منهجًا، ومن العطاء ثقافةً راسخة.

وهكذا هي القلوب الكبيرة؛ لا تتنافس على ما تأخذ، بل تتسابق إلى ما تمنح، وتجعل من المال وسيلةً لإنقاذ الأرواح، ومن البذل بابًا للأمل، ومن الإحسان رسالةً تُحيي النفوس قبل الأجساد. وفي هذا المشهد الإنساني قدم أهل ظفار درسًا بليغًا في معنى الأخوة والتكافل، وأثبتوا أن المجتمع المتماسك هو أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها أي وطن.

إن ما صنعه أهل ظفار في هذه المبادرة الإنسانية ليس مجرد موقف عابر، بل رسالةٌ بليغة إلى كل المجتمعات بأن التكافل هو سر القوة، وأن التراحم هو أساس النهضة، وأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بقلوب أبنائها وسواعد رجالها. ونأمل أن يكون هذا المشهد المشرق قدوةً تحتذي بها المجتمعات كافة، فتجعل من التسابق إلى فعل الخير، والتكاتف، والتآزر، ثقافةً راسخةً وسلوكًا دائمًا؛ فالمجتمعات لا تنهض إلا حين يحمل أبناؤها همَّ بعضهم بعضًا، ويجعلون من المحنة فرصةً للوحدة، ومن العطاء سبيلًا لبناء الإنسان. فكلما اشتد تماسك المجتمع، وتعاظم شعور أفراده بالمسؤولية تجاه بعضهم، ازداد قوةً ورسوخًا، وأصبح أكثر قدرةً على تجاوز الشدائد وصناعة مستقبلٍ يليق بأبنائه.

نسأل الله أن يجعل ما قدمه كل متبرع في موازين حسناته، وأن يبارك في أهل ظفار جميعًا، وأن يجزيهم خير الجزاء على ما أظهروه من نبلٍ وإنسانية، وأن يمنّ على الطفل أحمد بالشفاء التام والعاجل، ليبقى هذا الموقف شاهدًا خالدًا على أن الخير ما زال نابضًا في قلوب الناس، وأن الأمل يولد كلما اجتمعت القلوب على الرحمة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img