بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
ثمة لحظات لا يصوغها مرور الزمن، بل تنبثق من عمق القيم. لحظات يتخلى فيها الناس عن سؤال: «ماذا سأجني؟» ليطرحوا السؤال الأسمى: «ماذا يمكنني أن أقدّم؟». في تلك اللحظات، تتوارى الفوارق، وتذوب الحسابات، ويعلو صوت الإنسانية فوق كل اعتبار.
ومن هذا المنطلق، لا يبقى الوطن مجرد حدود جغرافية، بل يتحول إلى إحساس نابض بالمسؤولية، وقلب واحد يتألم لأبنائه، ويد تمتد بالعطاء قبل أن يُطلب منها. وهذا ما تجلّى في محافظة ظفار، حين تحولت قصة الشبل أحمد العجمي، الذي ينتظر فرصة العلاج من مرض الضمور العضلي الدوشيني، إلى قضية إنسانية أيقظت ضمير المجتمع. فالتف أبناء عُمان في ظفار حولها، مجسدين أرقى معاني التكافل والتراحم، ليخطّوا بأفعالهم قصة إنسانية ستظل شاهدة على أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملك، بل بما يفيض به أبناؤها من رحمة.
وفي هذا السياق، انطلقت المبادرة بجهود صادقة من فريق صلالة التطوعي، بالتعاون مع جمعية بهجة العُمانية للأيتام، وبدعم من فريق حياة التطوعي، إلى جانب بقية الفرق والجهود التطوعية في المحافظة. وقد أشعلت هذه الجهود شرارة الخير التي سرعان ما وجدت صداها في نفوس أبناء عُمان بظفار، لتتحول المبادرة إلى حراك مجتمعي شامل حمله الجميع بإيمان راسخ بأن الإنسان يستحق الاحتضان في أوقات الشدة، وأن التكافل مسؤولية جماعية.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ليس كيف نجحت الحملة؟ بل لماذا نجحت؟
فمنذ البداية، كان الهدف محددًا: جمع مليون ريال لتأمين علاج الشبل أحمد العجمي من مرض الضمور العضلي الدوشيني. ولم يكن هذا الرقم مجرد غاية مالية، بل كان نافذة أمل لطفل ينتظر فرصة للحياة. وعندما بدا الوصول إليه بعيدًا في نظر البعض، أثبت أبناء عُمان في ظفار أن الإرادة الجماعية قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، متى ما توحدت القلوب قبل الأيدي.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد لحظة عابرة، بل ثمرة منظومةٍ أخلاقية ترسخت عبر الأجيال. فقد نشأ المجتمع العُماني على أن نجدة المحتاج ليست تفضّلًا، بل واجب تمليه تعاليم الإسلام، وتغرسه الأسرة، وتعززه المدرسة، وتكرسه المواقف اليومية حتى يغدو جزءًا أصيلًا من الهوية العُمانية، ومن الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى مسؤوليته تجاه مجتمعه.
ومن هنا، لم يكن العطاء في هذه المبادرة مجرد أرقامٍ تُودَع في الحسابات، بل مشاهد إنسانية ستظل راسخة في الذاكرة. طفلٌ قدّم حصالته، وشبابٌ نذروا أوقاتهم للتنظيم منذ ساعات الصباح الأولى، ونساءٌ بادرن بالعطاء، وكبارُ سنٍّ أخلصوا الدعاء، ومتطوعون سخّروا جهودهم، وآخرون نشروا رسالة الحملة حتى بلغت كل بيت. ولم يكن المال وحده لغة العطاء؛ فقد عُرضت سيارات للبيع، وتنازل أصحاب أراضٍ عن قيمتها، وبذل كثيرون مدخراتهم، لأن قيمة الإنسان كانت في وجدانهم أغلى من كل ما يملكون. وهكذا، لم يكن ما جُمع من مال هو أعظم ما حققته المبادرة، بل ما كشفته من معدن هذا المجتمع، حين تحوّل التكافل من قيمةٍ تُقال إلى سلوكٍ يُمارس، ومن شعورٍ داخلي إلى فعلٍ صنع الأمل.
وفي خضم هذه الصور، لم يعد الناس يُقاسون بما يملكون، بل بما يقدمون. اختفت الفوارق، واجتمع الجميع على هدف واحد، وكانت الرسالة التي عبّر عنها الجميع بأفعالهم قبل كلماتهم: لن يكون أحمد وحده في هذه الرحلة.
ومن زاوية أعمق، أعادت هذه المبادرة التأكيد على أن التكافل ليس قيمة تُستحضر عند الأزمات فقط، بل ثقافة تُمارس في تفاصيل الحياة اليومية. فالقيم لا تُنقل بالكلام، بل تُغرس بالقدوة، لينشأ الفرد مؤمنًا بأن المواطنة ليست حقوقًا فحسب، بل واجبات أيضًا.
وفي هذا الإطار، تمثل تجربة ظفار نموذجًا واضحًا لما يُعرف في الفكر الاجتماعي بـ«رأس المال الاجتماعي»؛ ذلك المخزون من الثقة والتعاون وروح المسؤولية الذي يمنح المجتمعات القدرة على تجاوز الأزمات. فعندما يبادر الناس إلى العطاء بعفوية، فإنهم لا ينقذون حياة أفراد فقط، بل يعززون تماسك المجتمع ويجددون الثقة بين أفراده.
ومن هنا، يبقى التحدي الحقيقي ألا نكتفي بالاحتفاء بهذه التجربة، بل أن نحولها إلى ثقافة مستمرة. فالأوطان لا يحفظها الرخاء وحده، بل يصونها الضمير الحي، وتبنيها القيم التي تُغرس في نفوس الأبناء منذ الصغر، حتى يصبح التكافل سلوكًا متجددًا تتوارثه الأجيال.
وفي ختام هذه المسيرة، وبعد أن كتب الله لهذه الحملة النجاح، يبقى الشكر لكل من بادر، وأسهم، ونظم، وتطوع، وتبرع، ودعا بظهر الغيب، ولكل من حمل هم أحمد، ولكل من امتدت يداه أيضًا إلى حالات إنسانية أخرى، مؤمنًا بأن العطاء لا يتوقف عند اسم، ولا يقتصر على حالة، بل هو خُلُق أصيل يجسد أسمى معاني الرحمة.
ونسأل الله أن يمنّ على الشبلين أحمد العجمي وسالم الشيدي بتمام الشفاء والعافية، وأن يشفي كل مريض، وأن يجعل ما قدمه أبناء عُمان في محافظة ظفار، وكل من أسهم في هذه المبادرة المباركة، في موازين حسناتهم.
وأخيرًا، قد تنتهي الحملات، وتُغلق صفحات المبادرات، لكن الأوطان تبقى نابضة بقيمها. وما سطرته ظفار في هذه الأيام لم يكن مجرد استجابة لنداء، بل شهادة حية على أن عُمان ما زالت تنجب رجالًا ونساءً وأطفالًا يؤمنون بأن الإنسان هو أغلى ثرواتها، وأن التكافل إرث أخلاقي تتناقله الأجيال، وهوية راسخة تروي قصة عُمان كلما نادى الإنسان، فلبّى أبناؤها النداء.


