ظفار..حين يصبح التكافل أسلوب حياة

نشرت :

لم يكن اكتمال المبلغ المطلوب لعلاج الطفل أحمد العجمي، ثم اكتمال المبلغ المطلوب لعلاج الطفل سالم الشيدي بعده بساعات، حدثًا استثنائيًا في ظفار، ولا موقفًا عابرًا فرضته لحظة إنسانية، بل كان امتدادًا طبيعيًا لإرث اجتماعي عريق، تجذر في وجدان أهلها حتى أصبح التكافل فيها أسلوب حياة، لا يرتبط بزمان أو مكان أو ظرف.
فما إن أُطلقت نداءات الاستغاثة لعلاج الطفل أحمد العجمي، حتى انتخى أبناء ظفار، كما هي عادتهم، وتسابق الرجال والنساء إلى البذل والعطاء حتى اكتمل المبلغ المطلوب. وما إن أُعلن عن اكتماله، حتى انطلقت نداءات جديدة لاستكمال علاج الطفل سالم الشيدي، لتتكرر الصورة نفسها، ويكتمل المبلغ المطلوب خلال ساعات، في مشهد يجسد معاني الجود والكرم والنخوة، ويؤكد أن عطاء ظفار لا يعرف النضوب، وأن مجتمعها لا يعرف للخذلان طريقًا.
غير أن من يظن أن هذا المشهد وليد اليوم يغفل تاريخًا طويلًا من التعاون والتكافل عاشه المجتمع الظفاري عبر الأجيال. فقد عرفت ظفار في مراحل كثيرة من تاريخها شح الموارد وقلة ذات اليد، بل مرت عليها سنوات لم يكن المال النقدي فيها متوفرًا كما هو اليوم، ومع ذلك لم يمنع ذلك أهلها من الوقوف صفًا واحدًا كلما نزلت نازلة أو ألمّت ملمة.
ففي الأفراح اعتاد الناس أن يتعاونوا فيما بينهم فيما يعرف محليًا بالمقبور. فيتقاسمون أعباء المناسبات ويخففون عن أصحابها مؤونة التكاليف. وفي الملمات، إذا وقعت جناية خطأ أو ترتبت دية أو تعويض، هب الجميع للمساهمة في جمعها حتى لا يتحملها فرد أو أسرة وحدها. وعندما يشتد المرض بأحد أبناء المجتمع ويصبح العلاج خارج البلاد ضرورة، تتكرر المشاهد ذاتها؛ إذ تتسابق الأيدي البيضاء، وتُفتح القلوب قبل الجيوب، ويقدم كل إنسان ما يستطيع، حتى يكتمل المطلوب.
وما ما حدث مع الطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من صور التكافل التي عرفتها ظفار، سبقتها حالات كثيرة، وستتبعها حالات أخرى كلما دعت الحاجة. فالعطاء في ظفار ليس فعلًا موسميًا، ولا استجابة لحالة إعلامية عابرة، وإنما هو ثقافة مجتمعية متوارثة، وإيمان راسخ بأن الإنسان لا يُترك وحده في مواجهة مصابه.
ولعل أجمل ما يميز هذا التكافل أنه لا يقوم على وفرة المال وحدها، بل على وفرة القلوب الرحيمة وصدق النخوة. فكثير ممن يسهمون في هذه المبادرات يعيشون ظروفًا معيشية متواضعة، لكنهم يؤمنون بأن القليل الذي يقدمه كل فرد، إذا اجتمع مع عطاء الآخرين، يصنع أثرًا عظيمًا، وينقذ حياة إنسان، أو يرفع كربة أسرة، أو يخفف عن محتاج.
لقد عُرفت ظفار عبر تاريخها، ليس بكثرة مواردها، وإنما بأصالة مجتمعها، وترابط أهلها، واستعدادهم الدائم للوقوف مع بعضهم بعضًا في الأفراح والأتراح، وفي الشدة والرخاء. وهذا هو الرصيد الحقيقي الذي حافظ على تماسك المجتمع، وجعل التكافل قيمة راسخة تتوارثها الأجيال، حتى غدا جزءًا من هوية ظفار وسمتها الاجتماعية.
بوركت ظفار، وبورك رجالها ونساؤها، وحفظ الله هذا الإرث الإنساني النبيل، وأدام في أهلها روح النخوة والعطاء، لتظل ظفار، كما كانت دائمًا، عنوانًا للتكاتف، ومدرسةً في الوفاء، وموطنًا لا يُخذل فيه محتاج، ولا يُترك فيه صاحب كربة وحده.
فأهل ظفار كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، تجمعهم المحبة، وتوحدهم النخوة، ويصنع من تكافلهم مجتمعًا متماسكًا عصيًا على التفرق دامت ظفار، ودام أهلها أوفياء متحابين متعاضدين، ودام ترابطهم بديمومة ظفار.

علي العايل

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img