✍️ عبدالعزيز مسعود السعدون
في وقتنا هذا الذي أصبحت فيه الأخبار السريعة تطغى على المشاهد الإنسانية، إلى أن ظهر لنا ما يعيد للقلوب إيمانها بأن الخير لا يزال حاضرًا، وأن النبل الحقيقي لا يُقاس بحجم الثروات، بل بحجم الرحمة والمودة التي يحملها الإنسان في قلبه…
في مشهد سطر فيه الأهالي في محافظة ظفار موقفًا إنسانيًا استثنائيًا، سيظل شاهدًا وحاضرًا على أصالة هذا المجتمع الظفاري العظيم، ونخوته وهمته العالية، فعندما طُرحت حالة الطفل #أحمد العجمي، الذي يعاني من مرض (الضمور العضلي)، وتكلفة علاجه تفوق حاجز المليون ريال عُماني، ومنذ ساعة النداء ووقت الإعلان،
لم يقف أبناء المحافظة موقف المتفرج ولا المنتظر، ولم ينتظروا أن يقوم غيرهم بالمبادرة، بل هبوا جميعًا رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، تجارًا ومواطنين، وقاطنين، وحتى الأطفال، حاملين معهم أسمى معاني التكافل والرحمة والإنسانية، بقلب واحد ويدٍ واحدة…
ومما يجعل هذا الموقف أكثر عظمة وإجلالًا، أن أكثر المساهمين، وأغلبهم، ليسوا من أصحاب الثراء الفاحش، ولا هم تجار أو أصحاب مال، بل إن البعض منهم يعيش على راتبه الضعيف، والبعض على مصدر دخل بسيط، بل إن من بينهم من يعيش ظروفًا معيشية صعبة، ومن يواجه التزامات مالية وأعباءً حياتية لا تخفى على أحد، لكنهم أثبتوا جميعًا أن الكرم الحقيقي ليس فيما يملك الإنسان، بل فيما يمنح، وأن العطاء الصادق لا يحتاج إلى وفرة من المال بقدر ما يحتاج إلى وفرة القيم والمبادئ والهمة.
وفي مشهد يبعث فينا الفخر والاعتزاز، تمكن الأهالي في محافظة ظفار، وخلال أيام قليلة، من جمع المبلغ المطلوب بالكامل، في صورة مشرقة تجسد روح المجتمع العُماني الأصيل، وتؤكد أن أبناء هذه الأرض المباركة يجتمعون دائمًا حول الخير، ويقفون صفًا واحدًا جميعًا أمام كل نداء إنساني.
ولم يتوقف هذا العطاء النبيل عند حدود المنطقة فقط، بل امتدت أياديهم البيضاء إلى حالة إنسانية أخرى للطفل #سالم الشيدي، من أبناء هذا الوطن العزيز، الذي كان ينقصه جزء من تكلفة هذا العلاج، فكان للأهالي في ظفار دور مشرف في موقف بطولي نبيل، تمثل في استكمال المبلغ وإغلاق الحالتين معًا، موقف تتقشعر له الأبدان، وإنساني يستحق كل التقدير والإشادة…
ما قام به أهلي في ظفار ليس مجرد حملة تبرعات ناجحة، بل هو درس عظيم في معنى الانتماء والإنسانية والعطاء، ورسالة تؤكد أن المجتمعات تُبنى بالأخلاق قبل الأموال، وبالرحمة قبل الإمكانات. لقد أثبتوا لنا جميعًا أن الشهامة ليست شعارًا يُرفع، بل فعلًا يُمارس في الواقع، وأن الكرم ليس مناسبة عابرة، بل ثقافة متجذرة في النفوس…
وإنني، وبكل فخر واعتزاز، أقف إجلالًا واحترامًا للأهالي في محافظة ظفار، الذين قدموا نموذجًا مشرفًا يُحتذى به، في أفضل صورة من صور التكافل والتراحم، وأعادوا إلى الأذهان الصورة الحقيقية للمجتمع العُماني الأصيل؛ مجتمعٌ إذا استنجد به محتاج، لبّى النداء، وإذا تألم إنسان أو مواطن، شعر بألمه الجميع….
سيبقى هذا الموقف صفحة ناصعة في سجل الإنسانية، وشاهدًا على أن أهل ظفار لم يكونوا يومًا أصحاب مال فقط، بل كانوا وما زالوا أصحاب قلوب عظيمة، ونفوس كريمة، ومواقف تُكتب بماء الذهب، وتستحق منا كل الفخر والامتنان والتقدير.


