كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي
صحار: السبت ٢٠٢٦/٠٦/٠٤
في زمنٍ أصبح فيه كثيرٌ من الناس يكتفون بالمشاهدة، اختارت ظفار أن تكون جزءًا من الحل، لا مجرد شاهدة على الألم. وحين ارتفعت نداءات الاستغاثة لعلاج الطفلين سالم الشيدي وأحمد العجمي، لم يكن الرد كلمات مواساة، بل كان أنهارًا من العطاء، وقلوبًا سبقت الأيدي، وأرواحًا آمنت بأن الإنسان لا يُترك وحده في مواجهة وجعه. وقد شهدت الحملة استجابة واسعة انتهت بإغلاق الحالتين العلاجيتين، في صورة جسدت التكافل الوطني بين أبناء عُمان.
ظفار … حين تصبح النخوة هويةً لا موقفًا
أهل ظفار لا يقيسون المعروف بحجمه، بل بحاجة صاحبه. وإذا طرق بابهم صاحب حاجة، فتحوا له أبواب القلوب قبل أبواب البيوت. هم قومٌ إذا نادى الواجب، لبّوا، وإذا استغاث الملهوف، حضروا، وإذا ضاقت الدنيا بإنسان، وسّعوها عليه بكرمهم ونبلهم. وما رأيناه في هذه المبادرة لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان انعكاسًا لقيمٍ متجذرة في نفوسهم، تتوارثها الأجيال كما يتوارثون حب الأرض والإنسان.
ظفار… نبضُ الوفاء في قلب عُمان
وليس هذا الموقف جديدًا على أبناء ظفار. فمن يعرف تاريخهم القريب يدرك أنهم أهل المواقف الصعبة، وأهل الشهامة حين تشتد المحن. ولعل الجميع يذكر كيف هبّ أبناء ظفار لمساندة إخوانهم في محافظات شمال الباطنة خلال إعصار شاهين، حين تحركت القوافل والمساعدات والمتطوعون، في مشهدٍ مهيب أكد أن الجغرافيا قد تفرق المحافظات، لكنها لا تفرق القلوب. ففي عُمان، المصاب واحد، والفرح واحد، والوطن واحد.
ظفار… عندما ينتصر الإنسان للإنسان
إن ظفار ليست مجرد محافظة تتزين بالخريف، بل هي خريفٌ دائمٌ في أخلاق أهلها؛ تمطر كرمًا، وتزهر وفاءً، وتفيض إنسانية. رجالها ونساؤها، كبارها وصغارها، يجتمعون على كلمة الخير، ويؤمنون بأن أجمل ما يتركه الإنسان بعده هو أثره الطيب في حياة الآخرين.
ظفار… عندما تصبح الإنسانية إرثًا تتناقله الأجيال
وإذا كان البعض يُعرف بثروته، فإن أهل ظفار يُعرفون بثروة قلوبهم. وإذا كان الكرم يُقاس بالعطاء، فإن عطاءهم يُقاس بالمحبة والإخلاص قبل المال. يهبون دون انتظار مقابل، ويعطون وكأنهم هم أصحاب الحاجة إلى الأجر، لا أصحاب الفضل على الناس.
لقد أثبتت هبّة علاج الطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي أن المجتمع العُماني لا يزال بخير، وأن ظفار كانت في مقدمة الصفوف، تحمل راية المبادرة، وتكتب بمداد الإنسانية صفحةً ستظل مشرقة في ذاكرة الوطن.
حين تكلمت ظفار بلغة القلوب
سلامٌ على ظفار… أرضًا أنبتت رجالًا يعرفون معنى المروءة، ونساءً يصنعن الخير بصمت، وشبابًا لا يترددون في خدمة مجتمعهم. وسلامٌ على أهلها، الذين أثبتوا مرةً أخرى أن الكرم ليس مناسبة، بل هو أسلوب حياة، وأن الفزعة ليست شعارًا، بل خُلُقٌ راسخٌ في النفوس.
واخيرا … سيكتب التاريخ أن ظفار لم تكن يومًا بعيدةً عن آلام الوطن، بل كانت دائمًا أول من يمد يده، وأسرع من يجيب النداء، وأصدق من يترجم المحبة إلى أفعال. وسيبقى أهلها، كما عرفهم العُمانيون، أهل المواقف، وأهل النخوة، وأهل المكارم؛ إذا دعا الواجب حضروا، وإذا احتاج الوطن لبّوا، وإذا بكى طفل، جعلوا من دموعه ابتسامة، ومن ألمه أملاً، ومن محنته قصةً تُروى عن شعبٍ لا يعرف إلا أن يكون جسدًا واحدًا.
لو كتبنا في اهل ظفار مجلدات ما وفيناهم حقهم … شكرا لكم صغار وكبار … رجال ونساء


