أحمد الفقيه العجيلي
لم تكن الأيام الماضية مجرد حملة لجمع التبرعات، ولم تكن سباقًا للوصول إلى رقم معين، بل كانت شاهدًا حيًا على أن القيم حين تتحرك، تستطيع أن تحقق ما تعجز عنه التوقعات.
فقد انتهت الحملة المباركة لعلاج طفلين من أبناء عُمان بنجاحٍ فاق ما كان ينتظره كثيرون، لكن ما بقي في الذاكرة لم يكن حجم المبالغ التي جُمعت، بل ذلك المشهد الإنساني الذي اجتمعت فيه القلوب قبل الأيدي، وتوحدت فيه الإرادة على هدف واحد: إنقاذ حياة.
في تلك الأيام، لم يكن السؤال: كم سيُجمع من المال؟
بل كان السؤال الأهم: كيف سيتفاعل الناس مع نداء الحياة؟
وجاء الجواب من كل أنحاء عُمان.
تحركت القلوب قبل الأيدي، وتسابق الناس إلى العطاء، كلٌّ بما استطاع. فمنهم من تبرع بمبالغ كبيرة، ومنهم من اقتطع جزءًا من راتبه، وآخرون أخرجوا مما ادخروه لأيام الحاجة، بل إن أطفالًا قدموا حصالاتهم الصغيرة، مؤمنين بطريقتهم البريئة أن مساهمتهم قد تكون سببًا في إنقاذ حياة.
ولم يكن هذا المشهد غريبًا على مجتمع تربى على قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة المائدة: الآية 2).
فالتكافل في الإسلام ليس موقفًا عابرًا، بل قيمة راسخة، وعبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه قبل أن تكون إحسانًا إلى الناس.
وفي هذا المشهد الوطني الجميل، كان لأبناء ظفار حضورٌ لم يفاجئ من يعرف هذه الأرض وأهلها؛ لا لأنهم أكثر الناس مالًا، بل لأنهم يحملون إرثًا اجتماعيًا عريقًا، يجعل الهَبّة عند الشدائد جزءًا من ثقافة المجتمع، لا مجرد رد فعل مؤقت.
ويخطئ من يظن أن الكرم الذي عُرفت به ظفار سببه وفرة المال.
فظفار، كغيرها من محافظات عُمان، عرفت الرخاء كما عرفت الشدة، ومرت عليها ظروف اقتصادية لم تكن سهلة، من آثار جائحة كورونا إلى تحديات المعيشة وارتفاع التكاليف.
وفيها الموظف محدود الدخل، والعامل الكادح، والمتقاعد، والشاب الذي ينتظر فرصة عمل، والأب الذي يؤجل كثيرًا من احتياجاته ليؤمن حياة كريمة لأسرته.
ومع ذلك، بقي شيء لم تستطع الظروف أن تنتزعه من أهلها.
بقيت الهَبّة.
ذلك الخلق الذي يجعل الناس ينهضون تلقائيًا عندما يستغيث محتاج، أو يمرض إنسان، أو تنزل نازلة بأسرة، دون أن ينتظروا دعوة، أو يبحثوا عن مقابل، أو يفكروا في شهرة.
ولم تكن هذه الروح وليدة اليوم، بل عرفتها ظفار منذ زمن بعيد.
فقد كان التعاون بين الناس جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ في مساندة الأسر التي تنزل بها المصائب، وإغاثة المحتاج، والوقوف مع المريض، ومؤازرة كل من ضاقت به السبل.
وكانت المجالس، وروابط الجوار، وصلات الرحم، تغرس هذه القيم في النفوس حتى أصبحت الهَبّة خُلُقًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.
تغيرت الوسائل مع مرور الزمن، وأصبحت المساهمات اليوم تصل بضغطة زر، لكن القيم لم تتغير.
فما زالت القلوب تستجيب قبل أن تُستثار، وما زالت الأيدي تمتد قبل أن تُطلب.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يكون لأبناء ظفار حضور بارز في هذه الحملة المباركة.
لم يكن ذلك طلبًا لثناء، ولا رغبة في الظهور، وإنما انعكاسًا لطبيعة مجتمع يرى أن نجدة الإنسان مسؤولية مشتركة، وأن الخير لا يعرف حدودًا بين ولاية وأخرى أو محافظة وأخرى.
ولعل أجمل ما في هذه الحملة أن كثيرًا ممن صنعوا هذا المشهد لم يكونوا من أصحاب الملايين، بل من أناس يعرفون معنى الحاجة، ويعيشون هموم الحياة كما يعيشها غيرهم، ثم يقتطعون من قوتهم ليمنحوا غيرهم أملًا جديدًا في الحياة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للعطاء.
فليست العظمة أن يعطي الإنسان من فائض ماله، فذلك خيرٌ مشكور، وإنما الأعظم أن يشارك بالقليل وهو يعلم أنه قد يحتاج إليه غدًا، لكنه يقدمه ثقةً بالله، وإيمانًا بأن تفريج كربة مسلم من أعظم القربات.
وقد أثنى الله تعالى على هذا الخلق الرفيع بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: الآية 9).
وقد جسّد هذا المشهد قول النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وأخرجه البخاري ومسلم. كما قال ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم.
لقد أعادت هذه الحملة التذكير بمعنى أصيل في مجتمعنا، وهو أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، وإنما بما تختزنه من قيم. فالمال قد يزيد وينقص، أما الأخلاق إذا استقرت في النفوس، فإنها تتحول إلى ميراث تتناقله الأجيال، وتبقى سندًا للمجتمع كلما اشتدت عليه الأزمات.
ولذلك بقيت الهَبّة في ظفار حية، لا لأنها عادة اجتماعية فحسب، بل لأنها تنطلق من إيمان عميق بأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الوقوف معه عند الشدة من أعظم صور البر والإحسان.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية 10).
ومن يتأمل هذه الحملة المباركة يدرك أنها لم تكن انتصارًا للمال، بل انتصارًا للقيم، ولم تكن مناسبة أظهرت كرم أفراد فحسب، بل كشفت عن مجتمع ما زال يحتفظ بأصالته رغم تغير الأزمنة.
وكانت ظفار واحدة من الصفحات المشرقة في هذا المشهد الوطني، تقدم صورتها التي يعرفها أهلها ويشهد بها كل من عاش بينهم؛ صورة المجتمع الذي يهبّ للخير دون تردد، ويجعل من التكافل أسلوب حياة، لا شعارًا يُرفع عند المناسبات.
ولعل أعظم ما خرجنا به من هذه الحملة ليس حجم المبالغ التي جُمعت، ولا سرعة الوصول إلى الهدف، وإنما الرسالة التي تركتها في نفوسنا؛ أن المجتمعات تبقى قوية ما دامت الرحمة تسكن قلوب أهلها، وأن الأوطان لا تحفظها الثروات وحدها، بل يحفظها أيضًا ما يتوارثه أبناؤها من قيم التكافل والإيثار.
وقد كانت ظفار في هذا المشهد صفحة مشرقة من كتاب عُمان، تؤكد مرة أخرى أن الكرم ليس فيما يفيض عن الحاجة، وإنما فيما يخرج من قلب يعرف معنى الحاجة.
نسأل الله أن يحفظ عُمان، وأن يديم عليها نعمة الألفة والتراحم، وأن يجعل ما قدمه المتبرعون في موازين حسناتهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (سورة المزمل: الآية 20).
وأن يمنّ على الطفلين بالشفاء التام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


