محمد بن زاهر العبري
في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تتسابق على نقل الأزمات والانقسامات، أبت محافظة ظفار إلا أن تكتب فصلًا آخر من فصول النبل الإنساني، وأن تقدم للعالم درسًا عمليًا في معنى الأخوة والتراحم والتكافل، حين هبّ أبناؤها، ومعهم أبناء سلطنة عُمان، للمساهمة في حملة علاج الطفلين أحمد وسالم، حتى تحولت الحملة إلى ملحمة وطنية ستظل محفورة في ذاكرة التاريخ.
لم تكن القضية مجرد جمع تبرعات، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقيم المجتمع العُماني، فجاءت النتيجة مبهرة؛ قلوبٌ اجتمعت قبل الأموال، وأيدٍ امتدت بالعطاء قبل أن تُطلب منها، وأرواحٌ آمنت بأن إنقاذ حياة طفل هو مسؤولية مجتمع بأكمله، وأن الرحمة لا تعرف حدودًا ولا تنتظر مقابلًا.
لقد جسدت ظفار المعنى الحقيقي لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، فلم يكن التعاون شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، وواقعًا يعيشه الناس بكل صدق وإخلاص. كما تجسد فيها قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فلم يسأل أحد عن نسبٍ أو مكان، بل كان السؤال الوحيد: كيف نمنح أحمد وسالم فرصة للحياة؟
وقال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.» وهكذا كانت ظفار؛ جسدًا واحدًا، إذا تألم فيه طفل، تحركت له القلوب قبل الأيدي، والدعوات قبل التبرعات.
إن ما حدث لم يكن نجاح حملة خيرية فحسب، بل كان انتصارًا للقيم العُمانية الأصيلة التي توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد؛ قيم النجدة، والكرم، والإيثار، والشعور بالمسؤولية تجاه كل محتاج. وقد أثبت أبناء ظفار أن العطاء لا يُقاس بحجم ما يُقدَّم، بل بصدق النية وسرعة المبادرة، وأن المجتمع المتماسك هو الثروة الحقيقية لأي وطن.
ولأن ظفار قدمت هذا النموذج المشرق، فإن الأمل كبير في أن تمتد هذه الروح إلى جميع محافظات سلطنة عُمان، لتصبح مبادرات التكافل ثقافة وطنية راسخة، يتسابق فيها الجميع إلى فعل الخير، ويجعلون من الوقوف مع المحتاجين نهجًا دائمًا لا يرتبط بزمان أو مكان.
إن الأمم لا تُخلَّد بكثرة مبانيها، بل بما تزرعه في نفوس أبنائها من قيم، وما صنعته ظفار في حملة الطفلين أحمد وسالم ليس مجرد تبرعات، بل رسالة إنسانية ستبقى شاهدًا على أن هذا الوطن، بقيادته وشعبه، لا يخذل أبناءه، وأن الخير في عُمان متجذر في الأرض كما هو متجذر في القلوب.
ستبقى ظفار مدرسةً في العطاء، وعنوانًا للإنسانية، وصورةً مشرقة لوطنٍ جعل من التكافل خُلُقًا، ومن الرحمة أسلوب حياة. وما نأمله اليوم أن تتحول هذه الملحمة الإنسانية إلى نموذج يُحتذى في كل محافظة وولاية، ليظل المجتمع العُماني كما عرفه العالم: متماسكًا، متراحمًا، لا يتأخر عن نجدة المحتاج، ولا يبخل بالعطاء حين ينادي الواجب.
فسلامٌ على ظفار، يوم أثبتت أن الخير لا يزال يصنع المعجزات، وأن القلوب إذا اجتمعت على الرحمة، أصبح المستحيل ممكنًا، وبقيت عُمان، من شمالها إلى جنوبها، وطنًا يكتب أجمل قصص الإنسانية بأفعال أبنائه قبل كلماته.


