الهوية الرعوية وجغرافيا الصوت: قراءة أنثروبولوجية في عرض “طرڨ وبرڨ” وكتاب “ملولية وطرڨ”

نشرت :

ملخص المقال

​يهدف هذا المقال إلى إضاءة الأبعاد الإثنو-موسيقية لعرض “طرڨ وبرڨ” للمبدع محمد عدنان الهلالي (افتتاح مهرجان العبادلة الدولي بسبيطلة)، بالتزامن مع صدور المنجز البحثي “ملولية وطرڨ”. ويبحث المقال في كيفية تحويل “فكر الرعاة” من نمط حياة يومي إلى وثيقة بصرية وفنية ملتزمة بحماية الخصوصية الثقافية للمناطق الجبلية الممتدة بين الوسط الغربي التونسي والشرق الجزائري.

​أولاً: عرض “طرڨ وبرڨ” كوثيقة بصرية عابرة للحدود

​لا يتوقف عرض “طرڨ وبرڨ” للفنان محمد عدنان الهلالي عند حدود الفرجة المسرحية، بل يتعداه ليكون مشروع توثيق بصري وأنثروبولوجي يلم شتات الذاكرة المشتركة.

  • الامتداد الجغرافي للصوت: ينجح العرض في محو الحدود السياسية الوهمية ليصنع خطاً ثقافياً حياً يربط بين (الشعانبي، سمّامة، الأوراس، وبوخضرا).
  • تلاقح الأنماط الشفوية: لأول مرة، تلتقي “فينومانات الڨصبة” و”شتات الڨصاصبية” مع “حناجر الركروكي” في فضاء ركحي واحد، مما يحول العرض من مجرد استعراض فلكلوري إلى إعادة بناء للهوية الصوتية البدوية.

​ثانياً: كتاب “ملولية وطرڨ” – التأصيل النظري لفكر الرعاة

​يأتي الإصدار الجديد لكتاب “ملولية وطرڨ” ليمثل المرجعية العلمية التي تفسر فلسفة هذا العرض، واضعاً النقاط على الحروف حول القوالب الموسيقية الملتزمة التي تعانق فضاء المراعي.

  • الالتزام بالهوية والخصوصية: يوضح الكتاب أن هذه الأنماط الغنائية والموسيقية لم تولد للترفيه، بل كانت خط الدفاع الأول عن خصوصية مجتمعات الرعاة في مواجهة التهميش الثقافي.
  • الطرڨ والملولية كبنية معرفية: “الطرڨ” (عزف الڨصبة) و”الملولية” (الغناء البدوي الجبلي) هما زاد الراعي وزواده؛ يعكسان طاقة التنفس، صدى الفجاج، والقدرة على البقاء في بيئة جبلية قاسية. إنها موسيقى محكومة بفيزيولوجيا المكان وسيكولوجية العزلة.

​ثالثاً: أصوات الطبيعة وحناجر الركروكي (المحاكاة البيئية)

​يلتقي الفن البصري في العرض مع الطرح النظري للكتاب عند نقطة “المحاكاة البيئية الهارمونية”:

​”الحناجر الجبلية القوية وأصوات الڨصبة الحادة لا تؤدي ألحاناً مجردة، بل تحاكي أصوات الرعد، وهبوب الرياح في الشعاب، وحفيف الشجر. إنها محاولة إنسانية واعية للتصالح مع الطبيعة وتحويلها إلى شريك إبداعي.”

​الموسيقى هنا تعبّر عن فلسفة الاكتفاء الذاتي الروحي للإنسان الرعوي، حيث تصبح الڨصبة أداة مقدسة تؤرخ للأرض والذاكرة.

​رابعاً: الاستنتاجات العلمية

​يؤكد الثنائي الإبداعي والمعرفي (العرض والكتاب) على ثلاث نقاط أساسية:

  1. السينوغرافيا التوثيقية: نقل التراث الشفوي من “العفوية” إلى “الوعي المشهدي” على الركح الأثري بسبيطلة.
  2. العمق المغاربي: إثبات وحدة الهوية الأنثروبولوجية بين تونس والجزائر عبر ممر الڨصبة التاريخي.
  3. أكاديمية التراث الهامشي: نقل موسيقى الرعاة من خانة الفنون البسيطة إلى مصاف الأنماط الموسيقية المعقدة التي تستحق الدراسة والتسجيل كإرث إنساني فريد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img