تجربة حياة: لم تكن صدقة… بل كانت بداية حياة

نشرت :

بقلم: نور بنت حسن الغسانية.

رئيسة جمعية المرأة العمانية بصلالة.

​بعد أن أُسدل الستار على قصة نجدة الطفلين (أحمد العجمي وسالم الشيدي)، يحين الوقت للعودة إلى محطات الحياة؛ تلك المواقف التي لا تُنسى، والتي تعلّمنا أن أعظم العطاء ليس ما يُقدَّم لليد، بل ما يُزرَع في النفس من أمل، وما يُمنح للإنسان من فرصة ليقف على قدميه من جديد.

​من بين تلك المواقف، بقيت في ذاكرتي قصة امرأة جاءت إليَّ تحمل على كتفيها أثقال الحياة، كانت ملامحها تنطق بالحزن قبل أن تتحدث، وعيناها حمراوين من كثرة البكاء، وكأنهما اختزلتا سنواتٍ من المعاناة والصبر.

​جلست أمامي وقالت بصوتٍ يملؤه الانكسار: “زوجي مريض ومقعد، وأبنائي لا يجدون ما يسد جوعهم، ولا ما يقيهم حر الصيف أو برد الشتاء. أما راتب التقاعد، فلا يكاد يكفي لسداد الحد الأدنى من متطلبات الحياة”. ثم أطرقت برأسها، وقالت بحرقةٍ موجعة: “لا يوجد أحد يساعدني”.

​أنصتُّ إليها حتى أنهت حديثها، ثم قلت لها: “أستطيع أن أساعدكِ ماديّاً مرة أو مرتين، لكنني أريد لكِ ما هو أبقى من المساعدة المؤقتة. أريدكِ أن تعتمدي على نفسكِ. هل تمتلكين حرفة أو مهنة يمكن أن نبني عليها مشروعاً يضمن لكِ ولأسرتكِ حياةً كريمة؟”

​ابتسمت ابتسامةً باهتة وقالت: “أنا كوافير (أخصائية تجميل)، وكان لديَّ صالون تجميل في منطقتي، لكنني اضطررت إلى إغلاقه؛ لأنني لم أعد أملك الإمكانات التي تساعدني على الاستمرار”.

​حينها أدركت أن الحل ليس في إعطائها المال، بل في إعادة الحياة إلى حلمها.

​قلت لها: “إذا تكفّل أهل الخير بتوفير الأدوات اللازمة، فهل تستطيعين إعادة افتتاح الصالون؟ ويمكن أيضاً أن تعمل بناتكِ معكِ، وخاصة أن منطقتكم بحاجة إلى مثل هذا المشروع”.

​رفعت رأسها وقالت: “الشكوى لله سبحانه وتعالى، وأنا راضية بقضائه، وما جئت إليكِ إلا بعد أن ضاقت بي السبل”.

​طمأنتها وطلبْتُ منها أن تمنحنا أسبوعين أو ثلاثة لترتيب الأمر. وبفضل الله تعالى أولاً، ثم بدعم أهل الخير، تم توفير مستلزمات الصالون، وعاد المشروع إلى الحياة من جديد. كما التحقت بدورة في التجميل لتطوير مهاراتها، وبدأت بناتها يعملن معها، فتحول الصالون إلى مصدر رزق كريم للأسرة بأكملها.

​وبعد عامٍ كامل، عادت إليَّ مرة أخرى…

لكنها لم تكن المرأة نفسها!

​دخلت امرأة أنيقة، يملأ وجهها الرضا، وتشرق عيناها بالأمل، وتستقبل الحياة بابتسامة واثقة. لم أصدق أن تلك السيدة هي نفسها التي جلست أمامي يوماً تبكي من شدة القهر.

​في تلك اللحظة شعرت أنني أملك الدنيا بما فيها؛ ليس لأنني قدمت مالاً، وإنما لأن إنساناً استعاد ثقته بنفسه، وأصبح قادراً على صناعة مستقبله بيده.

​لقد أيقنت أن المستحيل كلمةٌ تتراجع أمام الإرادة، وأن الإنسان إذا امتلك الإيمان بالله، ثم وثق بقدراته، وأحسن التفكير والتدبير، استطاع أن يغيّر واقعه مهما كانت الصعوبات.

رسالتي لكل إنسان: لا تجعل الظروف تحكم عليك بالفشل، ولا تنتظر أن يبني الآخرون حياتك. ابحث عن موهبتك، وتمسّك بحلمك، واجعل إرادتك أقوى من كل العقبات، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً وسعى باجتهاد.

​الحياة أجمل عندما ندرك أن النجاح ليس هبةً تُمنح، بل ثمرةُ إرادةٍ صادقة، وعملٍ متواصل، وتوكّلٍ صادق على الله.

​وقصص الحياة… لا تنتهي، لكنها دائماً تمنحنا درساً جديداً لمن أراد أن يتأمل.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img