بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
لم تعد المعرفة هي المورد النادر الذي كانت عليه قبل عقود. فالمعلومات أصبحت متاحة، والتعليم أكثر انتشارًا، وبرامج التدريب أكثر تنوعًا، والوصول إلى الخبرة أسهل من أي وقت مضى. وكان من المتوقع، مع هذا التحول، أن تتقارب مستويات الأداء بقدر تقارب فرص التعلم.
لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف.
فكلما أصبحت المعرفة أكثر وفرة، ازداد التفاوت في القدرة على تحويلها إلى أثر. وما زالت المؤسسات تتباين في جودة أدائها، والقيادات تختلف في صناعة التأثير، والأفراد يتفاوتون في الإنجاز، رغم تقارب مستويات التعليم والخبرة والكفاءة.
وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بكمية المعرفة، بل بطبيعة التفوق ذاته:
إذا أصبحت المعرفة متاحة على نطاق غير مسبوق، فما الذي يصنع الفارق الحقيقي؟
لقد شكّل مفهوم رأس المال البشري تحولًا مهمًا في الفكر الاقتصادي حين أعاد تعريف الإنسان بوصفه أصلًا تنمويًا، لا مجرد عنصر في عملية الإنتاج. ثم اتسعت الأدبيات لتؤكد أن الأداء لا يتشكل بالمعرفة وحدها، بل يتأثر أيضًا بعوامل غير مادية، كالثقة، والعلاقات الاجتماعية، والدوافع النفسية، والثقافة المؤسسية.
ومع ذلك، بقي سؤال جوهري يستحق مزيدًا من التأمل:
ماذا يحدث بعد أن يمتلك الإنسان المعرفة؟
ربما انشغلنا طويلًا بقياس ما يعرفه الإنسان، بينما أصبح السؤال الأكثر أهمية اليوم هو:
ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف؟
فهنا تبدأ الفجوة التي لا تفسرها الشهادات، ولا سنوات الخبرة، ولا المؤهلات وحدها.
فالمعرفة تمنح القدرة، لكنها لا تمنح بالضرورة حسن استخدامها. والخبرة توسع الخيارات، لكنها لا تضمن جودة القرار. أما الكفاءة، فهي تؤهل الإنسان لأداء المهمة، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تتحول الكفاءة عند بعض الأفراد إلى أثر متراكم، بينما تبقى عند آخرين قدرة كامنة لا تتجاوز حدود الإمكان.
إن التحول الحقيقي الذي يفرضه عصر المعرفة هو أن الميزة التنافسية لم تعد في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على تفعيلها.
لم يعد السؤال:
من يعرف أكثر؟
بل أصبح:
من يحسن توظيف ما يعرف؟
ومن هنا يمكن إعادة قراءة كثير من مظاهر التفاوت التي تبدو محيرة. فالفارق بين مؤسسة تتعلم وأخرى تكرر أخطاءها لا يكمن دائمًا في مستوى خبراتها، بل في ثقافتها وقدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسة. والفارق بين قائد يترك أثرًا وآخر يكتفي بإدارة العمل لا يصنعه المؤهل وحده، بل قدرته على بناء الثقة، وإطلاق المبادرات، وتحويل المعرفة الفردية إلى تعلم جماعي.
ولعل هذا يقودنا إلى إعادة النظر في أحد أكثر المصطلحات شيوعًا في أدبيات الإدارة والتعليم، وهو ما يعرف بـ “المهارات الناعمة”.
فالمشكلة، في تقديري، ليست في هذه القدرات، بل في التسمية ذاتها.
فالقيادة ليست مهارة ناعمة.
واتخاذ القرار ليس مهارة ناعمة.
وبناء الثقة ليس مهارة ناعمة.
والتفكير النقدي، وتحمل المسؤولية، والعمل التشاركي، والتعلم المستمر، ليست صفات تكميلية تضاف بعد إتقان التخصص، بل هي التي تمنح التخصص قيمته العملية.
لقد أوحت التسمية، من حيث لا نشعر، بأن هذه القدرات أقل أهمية من المهارات الفنية، بينما تكشف التجربة أن كثيرًا من الفجوات في الأداء لا تعود إلى نقص المعرفة، بل إلى ضعف القدرة على توظيفها.
وهنا يصبح أثر اللغة أكبر من أثر المصطلح نفسه.
فاللغة لا تصف الواقع فحسب، بل تؤثر في طريقة التفكير فيه، وفي ترتيب الأولويات، وفي طبيعة الاستثمار. وما نعدّه مهارة إضافية، غالبًا ما نضعه في هامش السياسات، أما ما نعدّه أصلًا استراتيجيًا، فإننا نقيسه، ونطوره، ونبني عليه قراراتنا.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من الأنسب النظر إلى هذه القدرات بوصفها أصولًا تنموية أكثر من كونها مهارات. ولغرض التحليل، يمكن الإشارة إلى هذا البعد باسم رأس المال السلوكي؛ ليس بوصفه نوعًا جديدًا من رؤوس الأموال، ولا بديلًا عن رأس المال البشري، وإنما بوصفه إطارًا تفسيريًا يسلط الضوء على الرصيد السلوكي الذي يحول المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر.
إن قيمة المعرفة لا تتحدد بما تختزنه العقول، بل بما تصنعه في الواقع.
ولهذا، فإن الاستثمار في الإنسان لا يكتمل بمجرد بناء المعرفة، بل ببناء الإنسان القادر على أن يمنح المعرفة اتجاهًا، ويحولها إلى قرار، والقرار إلى ممارسة، والممارسة إلى ثقافة، والثقافة إلى إنجاز.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل سياسات التعليم والإدارة والتنمية هو:
كيف ننتج مزيدًا من المعرفة؟
بل:
كيف نبني الإنسان القادر على تحويل المعرفة إلى أثر؟
فحين كانت المعرفة نادرة، كان امتلاكها يصنع التفوق.
أما اليوم، وبعد أن أصبحت المعرفة متاحة للجميع تقريبًا، فإن التفوق لم يعد يبدأ عند المعرفة…
بل يبدأ فيما وراء المعرفة.


