بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي
لطالما ارتبطت الثروة في الوعي الإنساني بما تختزنه الأرض من موارد، وبما تمنحه الطبيعة من نعم، حتى أصبح امتلاكها مرادفًا للقوة والازدهار. غير أن التاريخ الاقتصادي الحديث يكشف حقيقة مختلفة؛ فالموارد قد تفتح أبواب الفرص، لكنها لا تضمن العبور إلى المستقبل. وكم من دولٍ امتلكت ثروات وفيرة، لكنها بقيت على هامش الاقتصاد العالمي، في حين استطاعت دول أخرى، بموارد محدودة، أن تصنع لنفسها مكانة تتجاوز بكثير ما منحته لها الجغرافيا.
ومن هنا يبرز السؤال الذي أصبح اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
ماذا بعد الوفرة؟
إنه ليس سؤالًا عن حجم الموارد، ولا عن مقدار ما تختزنه الأرض من ثروات، بل عن قدرة الإنسان على تحويل تلك الموارد إلى قيمة، وتحويل القيمة إلى تنافسية، والتنافسية إلى تنمية مستدامة.
لقد تغيرت قواعد الاقتصاد العالمي. فلم تعد المنافسة تقوم على وفرة الموارد وحدها، بل على جودة الأفكار، وكفاءة المؤسسات، وسرعة الابتكار، والقدرة على التعلم المستمر. ولم يعد السؤال الذي يشغل الاقتصادات المتقدمة: ماذا نملك؟ بل أصبح: ماذا نصنع بما نملك؟
وهنا يكمن الفارق بين اقتصاد الوفرة واقتصاد القيمة. فالأول يقيس الثروة بما هو متاح من موارد، أما الثاني فيقيسها بما تضيفه المجتمعات إلى تلك الموارد من معرفة، وتقنية، وإبداع، وقدرة على المنافسة.
إن التحول الاقتصادي الذي يشهده العالم اليوم لا يتمثل في الانتقال من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد غير نفطي، بل في الانتقال من اقتصاد يعتمد على استخراج الموارد إلى اقتصاد يتقن إنتاج القيمة. فالثروات الطبيعية تمنح نقطة الانطلاق، أما المعرفة والابتكار والإنتاجية فهي التي تحدد موقع الدول على خريطة المستقبل.
فالثروة تُستخرج من الأرض…
أما القيمة فتُصنع في المختبر، والجامعة، والمصنع، ومركز الأبحاث، والشركة الناشئة.
وبين الاستخراج والصناعة تتحدد مكانة الدول في الاقتصاد العالمي.
لقد أصبحت القيمة المضافة هي اللغة الجديدة للنمو الاقتصادي. فالمورد الطبيعي لا يحقق أقصى أثره عند استخراجه، وإنما عندما يتحول إلى سلسلة طويلة من الأنشطة تبدأ بالبحث والتطوير، وتمر بالتصميم والهندسة والتصنيع، ثم التسويق وبناء العلامة التجارية، وتنتهي بخدمات ما بعد البيع. وفي كل مرحلة من هذه المراحل تتضاعف القيمة، وتتولد وظائف نوعية، وتتراكم الخبرات، وتتوسع فرص الابتكار.
ولهذا لم تعد الثروة مفهومًا ماديًا خالصًا، بل أصبحت تضم ما يعرف برأس المال غير الملموس؛ من معرفة، وملكية فكرية، وبيانات، وعلامات تجارية، ومهارات بشرية، وثقة مؤسسية. وهي أصول لا تُقاس بوزن أو مساحة، لكنها أصبحت تمثل المصدر الحقيقي لقوة كثير من الاقتصادات الحديثة.
ولعل التجارب الدولية تقدم أوضح الأدلة على ذلك.
ففي سنغافورة لم يكن غياب الموارد الطبيعية عائقًا أمام النهضة، بل كان دافعًا لبناء اقتصاد قائم على التعليم، والخدمات اللوجستية، والحوكمة، والاستثمار في الإنسان، حتى أصبحت واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في العالم.
أما كوريا الجنوبية فقد انطلقت من ظروف اقتصادية صعبة، لكنها اختارت أن تجعل التعليم والبحث العلمي والتصنيع المتقدم أساسًا لنهضتها، فتحولت شركاتها إلى علامات عالمية، وأصبحت المعرفة أهم مواردها.
وفي النرويج لم تتحول الوفرة النفطية إلى اعتماد دائم على النفط، بل إلى فرصة لبناء صندوق سيادي يستثمر في مستقبل الأجيال، ويعكس فلسفة ترى في الموارد وسيلة لبناء اقتصاد مستدام، لا غاية في حد ذاتها.
كما تقدم شنتشن الصينية نموذجًا لمدينة أعادت تعريف التنمية خلال عقود قليلة، بعدما انتقلت من منطقة صناعية ناشئة إلى مركز عالمي للابتكار والتقنيات المتقدمة، بفضل بيئة تشجع ريادة الأعمال، وتربط البحث العلمي بالإنتاج.
وفي وادي السيليكون لم تكن الثروة في الأرض، بل في الأفكار. فقد نشأت منظومة متكاملة جمعت الجامعات، والمستثمرين، ورواد الأعمال، والشركات التقنية، لتصبح المعرفة نفسها صناعة تنتج الثروة بصورة مستمرة.
أما سويسرا، فقد بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية على الجودة والموثوقية، حتى أصبحت عبارة «صنع في سويسرا» قيمة اقتصادية تسبق المنتج نفسه، وتضيف إليه قبل أن يصل إلى المستهلك.
إن ما يجمع هذه التجارب ليس تشابه الموارد، بل تشابه الرؤية؛ فقد أدركت جميعها أن الموارد تمنح فرصة البداية، لكن القيمة هي التي تمنح الاستمرار.
وهنا يبرز السؤال بالنسبة لعُمان: كيف يمكن تحويل ما تمتلكه من موقع استراتيجي، وموارد طبيعية، وبنية أساسية متطورة، ورأس مال بشري واعد، إلى اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة؟
الإجابة تبدأ بالانتقال من مفهوم الميزة النسبية إلى مفهوم الميزة التنافسية.
فالميزات النسبية هي ما تمنحه الطبيعة للدول، أما الميزة التنافسية فهي ما تصنعه الدول بنفسها. إنها نتاج السياسات، وجودة التعليم، وكفاءة المؤسسات، والابتكار، والإنتاجية، والقدرة على التعلم والتكيف.
ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل الاقتصاد العُماني لا يرتبط فقط بتنويع مصادر الدخل، وإنما ببناء قيمة مضافة في كل قطاع، وتحويل كل مورد إلى فرصة لإنتاج المعرفة، واستقطاب الاستثمار، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
غير أن التنافسية لا تتحقق بالاستثمار وحده، بل بالإنتاجية. فالدول لا تتفوق لأنها توظف عددًا أكبر من العاملين، وإنما لأنها تمكّن كل فرد من إنتاج قيمة أعلى في الوقت نفسه. ولهذا أصبحت الإنتاجية أحد أهم مؤشرات قوة الاقتصادات، لأنها تعكس جودة التعليم، وكفاءة الإدارة، ومستوى التقنية، وقدرة المؤسسات على تحويل الموارد إلى نتائج.
كما أن الاقتصادات التقليدية تكتفي بإدارة الموارد، أما الاقتصادات المتقدمة فتصنع الفرص. فهي لا تنظر إلى ما هو متاح فحسب، بل إلى ما يمكن أن يصبح ممكنًا عبر المعرفة والابتكار. ومن هنا يصبح الاستثمار الحقيقي ليس في المورد ذاته، بل في القدرة على اكتشاف استخدامات جديدة له، وأسواق جديدة، ونماذج أعمال أكثر قيمة.
ومن أهم المسارات التي يمكن أن تدعم هذا التحول، تبني مفهوم اقتصاد المحافظات؛ ليس بوصفه توزيعًا للمشروعات على الخريطة، بل بوصفه بناءً لهويات اقتصادية متخصصة تتكامل فيما بينها.
فالمحافظات لا ينبغي أن تتنافس على استنساخ الأنشطة نفسها، وإنما على تعظيم ميزاتها الخاصة وربطها ببقية المحافظات في منظومة اقتصادية واحدة. فالاقتصاد الوطني يشبه المنظومة الحية؛ لا تزدهر عندما تتشابه أجزاؤها، بل عندما يؤدي كل جزء دوره بكفاءة ويتكامل مع غيره. ومن هنا يصبح تنوع المحافظات مصدر قوة، لا مصدر تفاوت، إذا بُني على التخصص والتكامل.
ففي ظفار، يمكن أن تتكامل السياحة مع الاقتصاد الأزرق، والزراعة، والثروة السمكية، والصناعات الغذائية، لتشكّل منظومة إنتاجية تتجاوز النشاط الموسمي إلى اقتصاد مستدام.
وفي الدقم، تتعزز فرص بناء مركز صناعي ولوجستي يربط الطاقة، والخدمات البحرية، والصناعات الثقيلة، والتقنيات المستقبلية.
أما صحار، فتملك المقومات لتوسيع الصناعات التحويلية وتعميق سلاسل القيمة، مع دمج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنظومة الإنتاجية.
وفي مسقط، يبرز دور الاقتصاد المعرفي، والخدمات المالية، والابتكار، وريادة الأعمال، بما يجعلها مركزًا لإنتاج المعرفة التي تدعم النمو في مختلف المحافظات.
إن قوة الاقتصاد الوطني لا تتحقق عندما تتشابه المحافظات، بل عندما تتخصص، ثم تتكامل. فالتكامل الاقتصادي بين المحافظات لا يقل أهمية عن كفاءة كل محافظة على حدة، لأنه يوسع القاعدة الإنتاجية، ويزيد من ترابط القطاعات، ويخلق فرصًا جديدة للنمو.
وهنا تبدأ المرحلة التالية من التحول؛ حيث لا يكفي امتلاك الموارد أو حتى حسن توزيعها، بل يصبح السؤال الأهم: كيف تُصنع القيمة داخل الاقتصاد؟
لا تُبنى الاقتصادات المتقدمة على المشروعات المنفردة، بل على منظومات متكاملة تتفاعل فيها الشركات، والجامعات، ومراكز البحث، والمستثمرون، ورواد الأعمال، والمؤسسات الحكومية. ومن هنا برز مفهوم العناقيد الاقتصادية بوصفه أحد أهم محركات النمو في الاقتصاد الحديث.
فالعنقود الاقتصادي ليس مجرد تجمع لمصانع أو شركات في موقع جغرافي واحد، بل منظومة تتشارك المعرفة، وتتكامل فيها سلاسل التوريد، وتتسارع فيها دورة الابتكار، بما يجعل نجاح كل مؤسسة عاملًا في تعزيز نجاح المنظومة بأكملها. وكلما زادت الروابط بين أطراف هذا العنقود، ارتفعت قدرته على الابتكار، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل النوعية.
وفي هذا السياق، لا تكمن القيمة الحقيقية في استخراج الموارد، بل في تعظيم ما ينتج عنها من قيمة مضافة. فكل مورد يمر برحلة تبدأ من البحث العلمي، ثم التصميم، والهندسة، والتطوير، والتصنيع، والتسويق، وبناء العلامة التجارية، وصولًا إلى خدمات ما بعد البيع. وفي كل محطة من هذه الرحلة تتضاعف القيمة الاقتصادية، وتتولد معارف جديدة، وتتوسع فرص التنافس في الأسواق.
ولهذا لم تعد الدول تتنافس على امتلاك المواد الخام بقدر ما تتنافس على امتلاك أكبر قدر من حلقات سلسلة القيمة. فكل مرحلة إنتاجية تُنجز داخل الاقتصاد الوطني تعني فرص عمل أكثر تخصصًا، وخبرات أعمق، وعوائد أعلى، وقدرة أكبر على الابتكار.
ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ليس باعتبارها قطاعًا مستقلًا، بل شريكًا أساسيًا في سلاسل الإنتاج، ومصدرًا للحلول والابتكار والخدمات المتخصصة. وعندما تصبح هذه المؤسسات جزءًا من المنظومة الإنتاجية، فإن أثرها الاقتصادي يتجاوز حجمها، لأنها تسهم في بناء شبكة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على النمو.
كما ينسجم هذا التوجه مع مبادئ الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على تعظيم الاستفادة من الموارد، وإعادة استخدامها، وتقليل الفاقد، وتحويل المخلفات إلى مدخلات إنتاج جديدة. ولم يعد هذا المفهوم خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح ركيزة اقتصادية ترفع الكفاءة، وتخفض التكاليف، وتعزز الاستدامة.
غير أن الاقتصاد الحديث لا يقوم على الأصول المادية وحدها، بل على ما يُعرف برأس المال غير الملموس؛ وهو المعرفة، والبيانات، والملكية الفكرية، والبرمجيات، والعلامات التجارية، والمهارات، والثقة المؤسسية. وهذه الأصول أصبحت تمثل اليوم جزءًا كبيرًا من القيمة السوقية لكبرى الشركات العالمية، لأنها المصدر الحقيقي للابتكار والميزة التنافسية.
ولهذا فإن الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والتطوير، وبناء القدرات الوطنية، ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار طويل الأجل في أصول يصعب تقليدها، وتزداد قيمتها كلما أُحسن توظيفها.
ومن هذه النقطة تحديدًا، تنشأ اقتصادات السمعة.
فالأسواق العالمية لا تشتري المنتج وحده، بل تشتري الثقة التي يحملها. ولهذا أصبحت السمعة أصلًا اقتصاديًا يؤثر في قرارات المستثمرين، وثقة المستهلكين، وقدرة الشركات على دخول الأسواق الجديدة. وهي لا تُبنى بحملات التسويق وحدها، بل بجودة الأداء، والالتزام، والشفافية، والقدرة على الوفاء بالوعود.
وعندما تتحول الجودة إلى ثقافة، تتحول السمعة إلى أصل اقتصادي يصعب تقليده، وتصبح الدولة نفسها علامةً ترتبط في أذهان العالم بالموثوقية والتميز.
أما الركيزة الأهم في هذا التحول، فهي الإنسان.
فالجامعات لم تعد مؤسسات تمنح الشهادات فقط، بل أصبحت محركات للتنمية الاقتصادية، تنتج المعرفة، وتطوّر التقنيات، وتحتضن الشركات الناشئة، وتربط البحث العلمي باحتياجات السوق. كما أن مراكز البحث لا تقاس اليوم بعدد الدراسات التي تنشرها، بل بقدرتها على تحويل نتائجها إلى حلول عملية، وبراءات اختراع، وتقنيات، ومنتجات، وشركات جديدة.
ولا يقتصر هذا الدور على الجامعات، فالمؤسسات الاقتصادية نفسها مطالبة بأن تصبح مؤسسات منتجة للمعرفة، تجعل التعلم والابتكار جزءًا من عملها اليومي، وتتعامل مع المعرفة بوصفها أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن رأس المال المالي.
ومن هنا برز مفهوم الاقتصاد الذي يتعلم؛ وهو اقتصاد يمتلك القدرة على التعلم المستمر، وتحليل البيانات، ومراجعة السياسات، والاستفادة من التجارب، وتحويل المعرفة إلى قرارات أكثر كفاءة. فالاقتصادات الناجحة لا تتقدم لأنها لا تخطئ، بل لأنها تتعلم بسرعة، وتتكيف مع المتغيرات، وتحول التحديات إلى فرص.
وفي هذا السياق، لم يعد نجاح الاقتصاد يقاس بعدد المشروعات التي تُنفذ، بل بمقدار القيمة التي تضيفها تلك المشروعات، ونوعية الوظائف التي تخلقها، وحجم المعرفة التي تنتجها، وقدرتها على رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأ به هذا المقال:
ماذا بعد الوفرة؟
بعد الوفرة تبدأ المهمة الأصعب؛ مهمة تحويل الموارد إلى قيمة، والقيمة إلى ميزة تنافسية، والميزة التنافسية إلى اقتصاد قادر على التعلم والتجدد والاستدامة.
لقد علمتنا التجارب أن الوفرة قد تفتح أبواب الفرص، لكنها لا تضمن الوصول إليها. فالذي يصنع المستقبل ليس حجم ما نملك، بل جودة ما نبنيه، وعمق ما نعرفه، وقدرتنا على تحويل المعرفة إلى قيمة، والقيمة إلى ميزة تنافسية، والميزة التنافسية إلى ازدهار مستدام.
فالتاريخ الاقتصادي لا يتذكر الدول بما امتلكته من موارد، وإنما بما صنعته منها.
الموارد قد تفتح أبواب الفرص… أما الإنسان، فهو وحده من يحسن العبور إليها.


