راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
في خضم التوترات التي أعقبت الحرب الإيرانية-الأمريكية والإسرائيلية، برزت سلطنة عُمان مجدداً بدورها التقليدي كوسيط هادئ، معلنةً عن مسار عملي لإدارة مضيق هرمز عبر لجنة مشتركة عُمانية-إيرانية، مع تنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، ومناقشات حول إطار مستقبلي يشمل الخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بها. بعض التقارير تحدثت عن مقترحات أوسع قد تتطور إلى هيئة أو آلية دولية/إقليمية تضم أطرافاً أخرى بجانب الدولتين المشاطئتين، مستلهمة نماذج مثل مضيق ملقا.
هذه المبادرة ليست مجرد إجراء فني؛ هي اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية الإقليمية على تحويل وقف إطلاق نار هش إلى ترتيبات مستدامة. مضيق هرمز ليس ممراً عادياً؛ يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه يضرب الاقتصاد الدولي مباشرة. النجاح هنا يعني إعادة الثقة إلى سلاسل الإمداد، وتخفيف خطر عودة التصعيد، وربما يمهد لوقف أوسع للحرب. أما الفشل فيعني استمرار حالة عدم اليقين، مع احتمال فرض رسوم أو قيود تُفسر كتهديد لحرية الملاحة.
كيف يمكن أن تنجح؟
النجاح يتطلب تحويلاً سريعاً من اللجنة الثنائية إلى آلية شفافة متعددة الأطراف، تحترم سيادة عُمان وإيران، وتلتزم بأحكام القانون الدولي (خاصة حق المرور العابر)، وترفض أي رسوم عبور إلزامية محظورة دولياً، مع فتح الباب أمام مساهمات طوعية لخدمات السلامة والبيئة والإغاثة. نموذج ملقا أثبت أن التعاون بين الدول المشاطئة مع تمويل طوعي من المستخدمين يمكن أن يعمل دون السيطرة الأحادية. الممر العُماني المؤقت الذي أُعلن بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية قدم دليلاً أولياً على الإمكانية العملية، لكنه واجه مقاومة إيرانية، مما يؤكد أن التنسيق الحقيقي لا يزال ناقصاً.
المبادرة تحتاج إلى جداول زمنية واضحة، آليات رقابة مشتركة، وضمانات بعدم استخدام الإدارة كأداة سياسية أو عسكرية. بدون ذلك، ستبقى مجرد بيان دبلوماسي جميل.
ما تحتاجه لتعزيز النجاح؟
- من عُمان: الاستمرار في الحياد النشط، وتقديم مقترحات فنية مفصلة (مثل الممرين المنفصلين أو صندوق الخدمات الطوعية)، وضمان أن أي ترتيب لا يُضعف دورها كدولة مشاطئة. عليها أيضاً توسيع التشاور مع دول الخليج والحصول على دعم اكبر.
- من إيران: قبول أن الإدارة المشتركة ليست تنازلاً عن السيادة، بل تعزيزاً لها في إطار القانون الدولي. يجب أن تبتعد عن التصريحات الأحادية حول السيطرة الحصرية، وتلتزم عملياً بضمان المرور الآمن دون تهديدات أو استهدافات.
- من مجلس التعاون: دعم سياسي موحد للمبادرة، والمشاركة الفعلية في المشاورات كأطراف مستفيدة ومشاطئة جزئياً، مع رفض أي ترتيبات تضر بحرية الملاحة أو تفرض أعباء اقتصادية إضافية.
- من جامعة الدول العربية: إصدار موقف جماعي يدعم الاستقرار وحرية الملاحة، ويشجع الحوار الإقليمي بعيداً عن الاستقطاب، مما يمنح المبادرة غطاءً عربياً أوسع.
- من الولايات المتحدة: احترام إطار مذكرة إسلام آباد، والامتناع عن أي خطوات عسكرية أو اقتصادية تعرقل عمل اللجنة، مع دعم فني ودبلوماسي للترتيبات التي تضمن حرية المرور دون تدخل مباشر يُفسر كوصاية.
- من الاتحاد الأوروبي: تقديم خبرة فنية في السلامة البحرية وإزالة الألغام (كما بدأت فرنسا مناقشته مع عُمان)، والمساهمة في أي صناديق طوعية، والضغط الدبلوماسي الهادئ للحفاظ على المضيق ممراً دولياً مفتوحاً.
ماذا يجب على إيران وأمريكا أن تفعلا؟
على إيران أن تحول الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم إلى أفعال ملموسة: تسهيل المرور الآمن، إزالة العوائق والألغام بسرعة، والانخراط بجدية في اللجنة المشتركة دون محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض. أي محاولة لاستخدام المضيق كورقة ضغط متجددة ستقوض الثقة وتفتح الباب أمام ردود فعل دولية.
أما الولايات المتحدة، فعليها الالتزام برفع الحصار البحري كاملاً، وتجنب أي تصعيد عسكري جديد، ودعم الحوار العُماني-الإيراني كقناة أساسية بدل محاولة فرض ترتيبات من الخارج. كلا الطرفين بحاجة إلى إدراك أن استمرار الحرب أو التوتر حول هرمز يضر بمصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية أكثر مما يخدمها. المبادرة العُمانية توفر مخرجاً دبلوماسياً؛ استغلاله بذكاء قد يساهم في ترسيخ وقف إطلاق النار وتحويله إلى سلام أوسع، بينما تجاهله يعيد الجميع إلى دوامة عدم الاستقرار.
في النهاية، المبادرة العُمانية تمثل أفضل فرصة واقعية حالياً لإدارة أحد أخطر الممرات البحرية في العالم بطريقة توفق بين السيادة والقانون الدولي والمصالح الاقتصادية. نجاحها ليس مضموناً، لكنه ممكن إذا غلبت الأطراف المصلحة المشتركة على حسابات القوة قصيرة المدى. العالم يراقب، والأسواق تنتظر، والمنطقة لا تحتمل فشلاً جديداً.
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل مكروه…


