عادل بن رمضان مستهيل
adel.ramadan@outlook.com
توقفت بسيارتي أمام إحدى البقالات الصغيرة في الحي، وأنزلت نافذة السيارة، وناديت على البائع الآسيوي بالمحل..”يا….رفيق” ليحضر لي سلعة اعتدت شراءها بشكل شبه يومي.
وبينما كنت أنتظر، كان المذياع يصدح بأغنية «إرفق بحالي» للفنان المبدع مؤيد حبراص.
ابتسمت وأنا أستمع إليها، ولم أكن أعلم أن كلماتها ستتحول بعد لحظات إلى رسالة أوجهها للقارئ!
ناولني الرفيق السلعة، وسألته عن السعر.
ذكر الرقم…. (هنا كانت الصدمة!)
توقفت الأغنية في أذني، وتوقفت معها كل حساباتي.
قلت له: “يا رفيق… هذه السلعة قبل فترة كانت أرخص بحوالي الربع!”
أجابني بكل بساطة، وكأنه يقرأ بيانًا اقتصاديًا: “حرب إيران… والبضاعة تجي من دبي… كل شيء غالي!.”
و هنا فقط أدركت أن بعض أصحاب المحلات الصغيرة (البقالات) أصبحوا أسرع من وكالات الأنباء في ربط الأحداث العالمية بأسعار الرفوف. فما إن يسمعوا بخبر عاجل في أي مكان من العالم، حتى تتحول آلة التسعير إلى وضع الطوارئ، بينما يبقى دخل المواطن في الوضع العادي… منذ سنوات.
المواطن اليوم لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن الكماليات. كل ما يريده أن يدخل البقالة وهو يعرف أن السلعة التي اشتراها أمس لن يفاجأ اليوم بأن سعرها قفز دون تفسير مقنع. فالراتب لا يرتفع مع كل أزمة، والالتزامات لا تنتظر انتهاء الحروب، والأب الذي يعيل أسرته يحسب الريال قبل أن يمد يده إلى جيبه.
المشكلة ليست في وجود أزمات عالمية، فهذه حقيقة لا ينكرها أحد، وبعض السلع تتأثر فعلًا بارتفاع تكاليف النقل أو الاستيراد. لكن المشكلة حين تتحول كل أزمة إلى شماعة جاهزة، تُعلّق عليها أي زيادة، حتى لو كانت السلعة موجودة في المخزن قبل أشهر، ولم تغادر رف البقالة إلا إلى يد المستهلك.
والأغرب أن الأزمات، عند بعضهم، تعمل باتجاه واحد فقط؛ تعرف طريقها إلى رفع الأسعار، لكنها لا تعرف طريق العودة عندما تستقر الأسواق أو تنخفض التكاليف! .
ولأن المواطن لا يحمل دفاتر الاستيراد ولا يطالع فواتير الشحن، فإنه يضطر إلى تصديق الرواية الجاهزة، ثم يدفع الثمن بصمت، لأنه يحتاج السلعة، لا لأنه اقتنع بالمبرر.
ولا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المختصة بحماية المستهلك في متابعة الأسواق وضبط المخالفات، لكن الرقابة مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تحل محل الضمير. فالتاجر الأمين لا يحتاج إلى مفتش ليمنعه من استغلال الناس، بل يكفيه أن يتذكر أن الرزق الحلال لا يقوم على اقتناص الأزمات.
لسنا ضد أن يحقق التاجر ربحًا مشروعًا، فهذا حقه، لكننا ضد أن يتحول المواطن إلى أول من يدفع ثمن كل أزمة، حتى وإن لم تصل آثارها الحقيقية إلى تلك السلعة.
غادرت البقالة، وما زالت أغنية «إرفق بحالي» تُسمع من المذياع.
ابتسمت، وقلت في نفسي:
يا مؤيد… يبدو أن الأغنية لم تعد تُغنى للحبيب فقط… بل لكل مستهلك يقف أمام رفوف الأسعار.
أرفق بحالي… يا رفيق!



