هل نربي أبناءنا على الإنتاج… أم على انتظار الوظيفة؟

نشرت :

كتب دكتور : إسماعيل جابر

أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار في التعليم والتدريب

ما الذي يجعل الكثير من الأسر تفرح عندما يحصل أبناءها على وظيفة في القطاع الحكومي او الخاص ، بينما لا تنظر بنفس الحماس إذا اختار أن يتعلم حرفة أو يتقن مهنة ؟ ولماذا ما زالت بعض المهن، في نظر فئات من المجتمع، أقل مكانة من الوظيفة ، رغم أن الأمم المتقدمة بنت جانباً كبيراً من نهضتها على سواعد المهنيين والحرفيين؟.
وأنا أتابع يوم أمس خبراً نشرته صحيفة “اليوم العمانية ” عن احتفاء هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة “ريادة” في محافظة شمال الشرقية بتخريج (25) متدربة في أحد البرامج المهنية ، فوجدت نفسي أفكر في قضية أكبر من الخبر نفسه.
فالخبر ينتهي بتخريج دفعة جديدة، أما السؤال الذي يفتحه فلا يزال مطروحاً : هل بدأنا نعيد الاعتبار للمهن والحرف، أم أننا ما زلنا نربط النجاح بالوظيفة أكثر من ربطه بالإنتاج؟
إن المشكلة ، في تقديري، ليست في قلة المؤسسات التي تقدم التدريب، ولا في غياب الدعم الحكومي، فهناك مدارس فنية، ومعاهد تقنية، وبرامج تدريبية تتوسع عامًا بعد عام. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الثقافة المجتمعية التي ما زالت تربط النجاح بالوظيفة أكثر مما تربطه بالإنتاج، وتربط المكانة الاجتماعية بالمسمى الوظيفي أكثر مما تربطها بقيمة العمل نفسه.
ولهذا أصبحنا، في كثير من مجتمعاتنا، نستهلك أكثر مما ننتج، ونبحث عن الوظائف أكثر مما نصنع الفرص.
وفي المقابل، تعتمد قطاعات واسعة على عمالة وافدة في مهن كان يمكن أن تكون مصدر رزق كريم لشبابنا واخرجتهم من العطالة والفراغ لو تغيرت نظرتنا إليها.
ومن المؤسف أن بعض الطلبة الذين لا يجدون أنفسهم في المسار الأكاديمي ينظرون إلى التعليم المهني وكأنه نهاية الخيارات، بينما قد يكون، في الحقيقة، بداية طريق يحقق لهم الاستقرار والنجاح.
فليس كل نجاح يبدأ من قاعة محاضرات، كما أن الشهادة الجامعية ليست الطريق الوحيد لبناء مستقبل واعد. وكما يقول المثل الشعبي: “الحرفة تنجي من الفقر” .
إن إعادة الاعتبار للمهن ليست مسؤولية مؤسسات التعليم و التدريب وحدها ، بل هي مشروع مجتمعي يبدأ من الأسرة حين تزرع في الأبناء احترام العمل أيًا كان نوعه، ويتواصل في المدرسة عندما تقدم التعليم المهني بوصفه مساراً للتميز لا خياراً أخيراً، ويعززه الإعلام بإبراز النماذج الناجحة التي صنعت مستقبلها بمهارة وإتقان وكانت شريكاً في الإنتاج .
كما أن ربط مخرجات التعليم الفني باحتياجات سوق العمل، وفتح آفاق واضحة للتطور المهني، سيمنح الشباب ثقة أكبر في هذا المسار.
فالمجتمعات لا تنهض بعدد الموظفين فقط، وإنما بعدد المنتجين القادرين على تحويل المعرفة إلى عمل، والعمل إلى قيمة مضافة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا بصدق: هل نربي أبناءنا ليبحثوا عن وظيفة، أم نربيهم ليكونوا قادرين على الإنتاج، أياً كان الطريق الذي يحقق لهم ذلك؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img