تسقيف السن في التوظيف الحكومي.. بين الواقع والتحديات

نشرت :

عبدالله رمضان بيت مجزح

خبير الرعاية الاجتماعية

​يعني هذا المصطلح وضع حدٍّ أعلى للعمر كشرط أساسي للتنافس على الشواغر الوظيفية العامة؛ فبالرجوع إلى العديد من إعلانات التوظيف، نجد أن الفئات العمرية (30 و35 و38 عامًا) هي الغالبة كحدٍّ أقصى للقبول، مما يعني أن من وصلوا إلى سن الثلاثينيات أصبحت فرص التوظيف أمامهم ضئيلة ومحدودة مقارنةً بمن هم في العشرينيات من العمر.
​ومما لا شك فيه، فإن هذه الإجراءات والتدابير المتخذة تشكل هاجسًا وقلقًا وضغطًا نفسيًا وعصبيًا واجتماعيًا على الباحثين عن عمل وأسرهم.
​ونحن نتفهم أن بعض الوظائف في القطاعات العسكرية والأمنية قد تتطلب اشتراطات خاصة للقبول، كاللياقة البدنية وصغر السن. أما في الوظائف المدنية العامة، فإن التسقيف يدعو إلى الحيرة والخوف لدى الباحثين وأسرهم؛ فالأبناء يجتهدون للحصول على المؤهلات الدراسية التي تمكنهم من دخول سوق العمل والبحث عن مستقبل أفضل، بينما تستثمر الأسر في تعليم أبنائها داخليًا وخارجيًا، باذلين في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ومتحملين التكاليف المالية على نفقتهم الخاصة أملًا في غدٍ مشرق.
​وبالتالي، ومع اعتماد سياسة تسقيف السن كأساس للتوظيف، فإن الكثير من الأحلام والأمنيات قد تذهب أدراج الرياح في ظل مرور السنين سراعًا دون توظيف؛ عندها يتفاجأ الباحث وأسرته بأنه أصبح على مشارف السن المحددة، وذلك لأسباب خارجة عن إرادته ولا ذنب له فيها، لكنه يتحمل تبعاتها ليواجه مع أسرته الواقع المرير المتمثل في شح الفرص الوظيفية.
​من هذا المنطلق، نوجه نداءً مجتمعيًا موحدًا لوزارة العمل والجهات الشريكة لإعادة النظر في سياسة التسقيف وإمكانية إلغائها، والبحث عن بدائل أخرى أكثر واقعية؛ طالما أن المتقدم للوظيفة وفق القانون يقع بين سن (18 – 60 عامًا)، وهو السن القانوني للتوظيف والتقاعد في القطاع الحكومي.
​وهنا يفرض السؤال نفسه:
​ما هو مصير الباحثين عن عمل ممن تجاوزوا الفئات العمرية المذكورة أعلاه؟
​وهل يُحكم على من تجاوز هذه الفئات بالفناء، وأن يصبح عبئًا على نفسه وأسرته ومجتمعه لظروف ليس مسؤولًا عنها وهو في أوج شبابه وعنفوان طاقته؟
​وما هي الانعكاسات النفسية والاجتماعية والاقتصادية للتسقيف على هذه الفئة وأسرها؟
​إنها أسئلة واستفسارات ملحة تبحث عن إجابات واضحة من وزارة العمل والشركاء.
​أخيرًا، سأتحدث عن أسباب كتابتي لهذا المقال؛ ففي الأسبوع الماضي التقيتُ في مكتبي بمجموعة من الباحثين عن عمل من أصحاب المؤهلات الجامعية المتدربين في مقر المديرية، وقد كانوا في غاية التوتر والقلق من المستقبل المجهول بعد أن اقتربوا من سن الـ 34 عامًا، وتضاءلت أمامهم الفرص أو انعدمت بسبب هذا الشرط. إن الضغوط والتحديات التي يعانون منها لإيجاد فرصة قبل بلوغ السن المحددة، والشعور بالإحباط لدى حملة المؤهلات الجامعية، هو ذاته ما يحس به من يحملون مؤهلات أقل.
​وللأمانة، لقد تفاجأتُ كثيرًا؛ إذ لم تكن لدي فكرة واضحة عن وجود شرط لسن التوظيف كحد أقصى، وبالمراجعة والبحث تبين لي أن إعلانات التوظيف تؤكد ما أشاروا إليه، ومن ثم فإن خوفهم وقلقهم له ما يبرره تمامًا.
​وهنا تتجلى مسؤولية الدولة بقطاعاتها ذات العلاقة، وعلى رأسها وزارة العمل، في التخطيط المتوازن والبحث عن الحلول الناجعة لاستيعاب هذه المخرجات المتزايدة عامًا بعد آخر، ودمجهم في سوق العمل عبر إستراتيجيات واضحة.
​قد يرى البعض أن التعليم ليس بالضرورة مرتبطًا بالتوظيف، وهي وجهة نظر لها مؤيدوها ومعارضوها، ولكن لكي نكون أكثر موضوعية وشفافية، فإن الهدف الأسمى للتعليم لدى أفراد المجتمع هو الحصول على الوظيفة المناسبة. والدولة تولي التعليم اهتمامًا بالغًا؛ لأن عجلة التنمية والتطوير لا يمكن أن تدور إلا بسواعد العلم والمتعلمين. لذا، فإن التخطيط الإستراتيجي لملف التوظيف وإدارته بكفاءة وفاعلية يعد مطلبًا مجتمعيًا وحكوميًا، وتأسيسًا على ذلك، فإن تحديد حد أقصى للسن في التوظيف إن كان يناسب مجتمعات أخرى، فهو لا يناسبنا.


​حفظ الله عُمان وأدام علينا نعمة الأمن والأمان.. ودمتم سالمين.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img