أبناؤنا والخوارزميات .. من يربي الآخر؟

نشرت :

ما وراء المشهد


كتب: د. إسماعيل جابر


أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار في التدريب والتعليم


أبناؤنا والخوارزميات .. من يربي الآخر؟


حين لا تكون المشكلة في الشاشة وحدها
في المقال السابق : << هل ما زلنا نملك وقتنا؟ >> كان سؤالي يتعلق بالكبار ؛ عن وقت يتسلل بين إشعارات ومقاطع ورسائل، حتى نكتشف أن يومنا انتهي بما لا يستحق ان نمنحه له .
اليوم السؤال الذي يشغلني مختلف قليلًا << ماذا عن وقت أبنائنا ؟ ومن يملك انتباههم ؟ >> .
ربما تعودنا أن نطرح السؤال بطريقة سهلة : كم من الزمن يجب ان يقضيه الطفل أمام الشاشة ؟ وهل يؤثر ذلك علي نومه ، دراسته ، وصحته وعلاقاته ؟
أسئلة مهمة بالطبع ، لكنها ليست السؤال الذي أريد التوقف عنده
فسؤالي : ماذا يحدث عندما تصبح الشاشة أسهل طريق لإشغال الطفل من أن نجلس معه ؟
هنا تبدأ الحكاية، من البيت لا من الهاتف
فالطفل الذي يجد من يحدثه، يستمع اليه، يقرأ له، يلعب معه ، ويأخذه إلى الحياة خارج الشاشة ، لن تكون الشاشة عالمه الوحيد.
أما حين يصبح وقتنا العائلي قليلاً ، ويبحث الطفل عن شيء يملأ فراغه ، فإن الهاتف لا يأتيه فارغاً ؛ بل تأتي معه خوارزميات تعرف كيف تقدم له المزيد من ما جذبه بالأمس .
و لا أعتقد هنا أن الحل في إعلان الحرب على التكنولوجيا ، فالتقنية أصبحت جزءًا من التعليم والمعرفة والحياة ، ولا يمكن أن نطلب من أبنائنا أن يعيشوا خارج عصرهم.
وهنا أسمحوا لي أخوتي الأباء وأخواتي الأمهات أن أسالكم سؤالاً صعباً : هل نحن نترك أبناءنا للشاشة لأننا نثق بها ، أم لأننا أحياناً لا نملك الوقت الكافي لنكون معهم؟
وخلال إعدادي لهذا المقال ، تحدثت مع مختصين في هذا الشأن من زوايا مختلفة : من مسقط، تحدثت مع د. جوزلان المسيري، المتخصصة في التربية والإرشاد الأسري ، وكانت ملاحظاتها تتجه إلى ما وراء الجهاز نفسه ، نحو سلوك الطفل وعلاقته بالأسرة والانتباه والتفاعل .
ومن ظفار، تحدثت مع محمد محروس محمد، طبيب العيون بمستشفى مرباط ، حول جانب آخر يتعلق بصحة العيون ، وما قد يصاحب الاستخدام الطويل للشاشات من إجهادها وجفافها.
أما د. عزيزة محمد سعيد ، أستاذ الغذاء والتغذية بالجامعات السودانية، أخذتني ملاحظاتها إلى : << مائدة الطعام >>؛ حيث أن الاستخدام المفرط للشاشة يؤثر أيضا على النظام الغذائي بزيادة استهلاك الأغذية غير الصحية وارتفاع خطر الإصابة بالسمنة ، وعن الحوار الأسري، و الانتباه إلى حاجته الفعلية .
فمن خلال هذه الإفادات يأتي السؤال الأكبر: هل من العدل أن يحرم الطفل من الشاشة ، دون أن يكون هنالك بديلًا لها؟ وتركه امام فراغ كبير ؟
فيا اخوتي : بدلاً من ترك أبنائنا في فراغ امام الشاشات والعزلة ، يحتاج الطفل الى بيئة حية تنبض بالدعم والاهتمام: أب حاضر بوقته، وأم تصغي بقلبها ، وعائلة يجمعها الحوار ، وكتاباً يَفتح أفق عقله ، ومساحة للعب والانطلاق ، ومهارة تُبنى ، ومسؤولية تمنحه قيمته وشعوره بالأهمية وبيت دافئي يُرى فيه ويُسمع .
فالمشكلة إذن ليس في قوة الخوارزمية وحدها، بل تبدأ حين تضعف << خوارزمية الأسرة >> فالخوارزمية الرقمية تعرف كيف تجذب الانتباه ، لكن الأسرة تستطيع أن تبني ما هو أعمق.
ولهذا: أن بناء الطفل لا يحتاج الي الماديات بقدر ما يحتاج الي الحضور البشري الحقيقي.
نلتقي في العمود القادم

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img