بين نبض الطب وشغف الأدب…الكاتب نور الدين المسلمي في مجلس الحكواتي

نشرت :

حاوره الحكواتي: فايل المطاعني


ليست كل الرحلات الأدبية تبدأ من رفوف المكتبات، فبعضها يبدأ من قاعات الدراسة، ومن شغفٍ لا يعترف بالفواصل بين العلم والفن. وحين يجتمع فضول الباحث مع حسّ الأديب، تتشكل تجربة تستحق أن تُروى.
ضيف مجلسنا اليوم كاتب شاب من جمهورية مصر العربية، يدرس الطب البشري، لكنه وجد في الأدب مساحةً أخرى لقراءة الإنسان. فمنذ سنواته الأولى، انفتح على أعمال كبار الأدباء، وفي مقدمتهم عميد الأدب العربي طه حسين، والأديب العالمي نجيب محفوظ، لتصبح القراءة رفيقة رحلته، والكتابة نافذته للتعبير عن رؤيته للحياة.
تنقّل بين الشعر والقصة القصيرة والمقال الفكري، وكتب في قضايا تمس الإنسان وسلوكه وتربيته وصحته النفسية، ونُشرت له مقالات في مجلة «ومضات أمل»، كما حصد جائزة عن قصيدته في رثاء نجيب محفوظ، وشارك في مسابقة المواهب الأدبية للشباب التابعة لوزارة الثقافة المصرية، وما تزال مجموعاته القصصية تنتظر لحظة خروجها إلى القارئ.
في هذا اللقاء، لا نحاور طبيبًا يكتب الأدب، ولا أديبًا يدرس الطب فحسب، بل نحاور شابًا يؤمن بأن المعرفة تتسع لأكثر من طريق، وأن الإنسان يظل محور العلم والإبداع معًا.
نرحب بضيف مجلس الحكواتي… الكاتب نور الدين المسلمي.
س1: بين الطب والأدب، يقف نور الدين المسلمي على ضفتين تبدوان متباعدتين. متى أدركت أن القراءة والكتابة ستصبحان جزءًا من حياتك إلى جانب دراسة الطب؟
ج1: بالتحديد القراءة والكتابات الأدبية وجدتُ أنها جزء من الطب، فقد خلق الله في عقول البشر جزءًا خاصًّا بالأدب والفن، لذلك أرى أن الأدب جزء جوهري من تكوين الإنسان… فمثلاً نحن نُسمى بالبشر العقلاء؛ لأننا تركنا أثرًا مادّيًّا يدل على وجودنا… أيضاً قراءتي للدكتور مصطفى محمود و د. أحمد خالد توفيق، بل وحتى الشاعر الكبير إبراهيم ناجي، كلهم أطباء إلا أنهم قاموا بالموازنة الصعبة وهي التوازن بين الحياة الإكلينيكية والأدبية.
س2: كانت قراءاتك المبكرة لأعمال عميد الأدب العربي طه حسين محطة مهمة في تكوينك، فما الذي تركه هذا الكاتب الكبير في وجدانك وأسلوبك؟
ج2: تعلمت من الدكتور طه حسين السرد المفصل، فأذكر أنه في كتاب «ما وراء النهر» سرد زهاء خمس صفحات فقط في وصف النهر، وهو أمر مفهوم لرجل ضرير كان يعتمد على البصيرة لا البصر في السرد، وكان يطلق لخياله العنان فيصف المشاهد بغزارة شديدة ودقة بارعة. أيضاً لا يمكن إنكار أن الأديب الكبير علمني أدبيات اللغة العربية، فكانت له تراكيب لغوية وعبارات رائقة وجميلة أصبحت جزءًا من بنيتي اللغوية.
س3: حصدت جائزة عن قصيدة في رثاء الأديب العالمي نجيب محفوظ، فماذا مثّل لك هذا الإنجاز في بداية مشوارك الأدبي، وكيف تنظر اليوم إلى تجربة محفوظ؟
ج3: الأستاذ نجيب محفوظ ظُلم في حياته، ومع أنه تم اتهامه بالكفر وحتى محاولة اغتياله، إلا أنه كان مؤمنًا ملتزمًا، والشواهد من دفاتره في متحفه تشهد على هذا، ولكن المميز في أدب محفوظ هو الرمزية التي ربما تم إساءة فهمها… نجيب محفوظ كاتب بارع، ولكني أعتقد أنني لا يمكن أن أرقى لمستواه؛ فمثلاً انظر إلى ملحمة «الحرافيش»، وانظر إلى رواياته التي تتخطى الـ 500 صفحة، وانظر إلى يوسف إدريس الذي كان طبيبًا وكل أعماله قصص قصيرة… فأعتقد أن الكتابة المستفيضة بحاجة إلى تفرغ ذهني وإلى جلد على الكتابة المستمرة وهو ما أفتقر إليه أنا للأسف… أما عن رثائي له بقصيدة شعرية فهو شكر تلميذ لمعلمه، وقارئ لكاتبه…
س4: تدرس الطب، وتكتب الأدب في الوقت نفسه. كثيرون يرون أن الطب علم، بينما الأدب فن، لكنهما يلتقيان في الإنسان. كيف انعكس هذا الالتقاء على تجربتك في الكتابة؟
ج4: في مقالاتي بمجلة «ومضات أمل» حاولت أن أسرد سلوك الإنسان بشكل أدبي، والأدب ليس مجرد فن بل هو أداة، مثله مثل البرمجة مثلاً؛ فكما يمكنني عمل برنامج أو حاسوب يحاكي ذهن الإنسان، فيمكنني أن أسرد قصة تصف الجهاز الهضمي أو حتى التفاعلات الكيميائية داخل الخلايا البشرية… الأدب أكبر من أن يكون حكرًا على أشخاص كرّسوا له حياتهم، وأتذكر تعريف الدكتور طه حسين للأدب وهو أن يستسقي الإنسان من كل العلوم والفنون.
س5: كتبت الشعر، والقصة القصيرة، والمقال الفكري، فهل تختار الجنس الأدبي بحسب الفكرة، أم أن الفكرة هي التي تختار شكلها الأدبي؟
ج5: سؤال لذيذ، وأعتقد أني تعلمت هذا من العقاد في مقالة له كان يعلم فيها أسلوب المقالة وفن كتابتها، وكان يرى أنه من الخطأ أن تُكتب المقالات بأسلوب التعبير المدرسي أو البحث العلمي، بل أن تترك روحك على سجيتها تداعب الورق كيفما شاءت… أنا دائمًا ما أخدم الفكرة؛ حتى في أبحاثي الطبية يمكنني أن أنشر بحثًا في طب الأسنان أو جراحات العظام، فقط لأن الفكرة استهوتني!
س6: نلاحظ حضورًا واضحًا لعلم النفس والسلوك الإنساني في مقالاتك وقصصك، فهل ترى أن الكاتب ينبغي أن يكون قارئًا للنفس البشرية قبل أن يكون صانعًا للحكايات؟
ج6: دعني أسألك أستاذي: لماذا اخترع البشر الحكايات والقصص أصلاً؟ الجواب رائع… ففي تاريخ البشر كانت القصة هي الوسيلة التي نروي بها قصص الأجداد ونربي عليها وبها أبناءنا… أنا مؤمن وبشدة أن القصة والحكاية ليست إلا مرآة لشيء خالج نفس الكاتب فباح به قلمه! وأرى أن الكاتب الذي يفهم السلوك البشري ستكون أعماله مخلدة حتمًا؛ لأنها تخدم جوهر الإنسان، وهذا ما يفسر كتابات فيودور دوستويفسكي مثلاً وسر بقائها إلى الآن.
س7: نشرت عددًا من المقالات في مجلة ومضات أمل، تناولت فيها قضايا التربية والصحة النفسية والمجتمع. ما الرسالة التي تحرص على إيصالها من خلال هذا اللون من الكتابة؟
ج7: إن الله عظيم! وتتجلى هذه العظمة في عظمة خلقه!! والإنسان مخلوق معقد، ربما عقولنا ليست بالقدر الكافي لتفهم نفسها ولتفهم العقل البشري. كتبت مقالة محاولاً فيها فهم الجريمة وليس تبريرها… الفهم العميق لسلوكنا هو أمر بالغ الأهمية، فكيف نريد مثلاً تقويم سلوكيات المنحرفين ونحن لم نفهم كيفية بناء الإنسان السوي المستقيم بعد؟؟!
س8: لديك ثلاث مجموعات قصصية لم ترَ النور بعد، فهل يعود ذلك إلى بحثك عن التوقيت المناسب، أم لأنك ما زلت تعيد تشكيلها حتى تبلغ الصورة التي تطمح إليها؟
ج8: الأمر معقد… معقد جدًّا، بعضها كُتب في أوقات حساسة من حياتي، وبعضها قد يعيد نوستالجيا وذكريات أتمنى ألا أوثقها إلى الأبد… ولكن «إن من البيان لسحرًا»… وأنا مؤمن أنها مفيدة للجميع، وفيها من قصص الرفاق والأصدقاء ما يستلذ به القارئ العربي… ومن يدري، ربما تتحول هذه القصص إلى سلاسل إذاعية مثل «المعذبون في الأرض» للدكتور طه حسين.
س9: شاركت في مسابقة المواهب الأدبية للشباب التابعة لوزارة الثقافة المصرية، كيف تنظر إلى أهمية هذه المبادرات في اكتشاف المواهب وصقلها؟
ج9: لا بد منها طبعًا، وأعتقد أن المواهب الشابة والدماء الجديدة لا بد من ضخها واحتضانها حتى تزهر بها الأمم، وأتمنى لو يتم عمل ورش أدبية؛ فللأسف الشاب العربي يشعر أنه لا بد له من تعلم كل شيء بمفرده وبلا مساعدة، وأعتقد أيضاً أن مثل هذه المسابقات تدفع الشباب لتهذيب طاقاتهم واستغلال حماسهم في الفنون والآداب.
س10: كثير من نصوصك تنتهي بسؤال مفتوح يترك القارئ شريكًا في صناعة المعنى. لماذا تميل إلى هذا النوع من النهايات؟
ج10: تذكرت كلمة الدكتور عبد الوهاب المسيري بأن هذا جزء من العلمانية، ولكني أرى أنه جزء من الحياة، فالأمور تسير ومن يدري النهاية؟ فلا أحد يدخل الجنة بعمله بل برحمة الله… وكذلك النهايات، من أنا حتى أجزم بنهاية قصة؟ حتى إن كانت خيالية أو من تأليفي الخالص، فلندع القارئ يساهم بالقصة… على الأقل في نهايتها، ولندع القراء يعيشون أجواءً ومشاعر ولو على الأقل لحظية.
س11: في زمن السرعة ووسائل التواصل، كيف ترى واقع القراءة في الوطن العربي؟ وهل ما زال الكتاب قادرًا على صناعة الوعي؟
ج11: تم استبدال الكاتب بـ «الإنفلونسر» و«التيكتوكر»؛ أصبح من لا يجيدون علمًا ولا فنًّا هم من يُسمع لهم من الجيل الناشئ، للأسف الشديد سوف تزداد الفجوة الثقافية جدًّا بين نخبة مثقفة وقاع جاهل، وللأسف مع تقارب الأوضاع الاقتصادية على الجميع فسيتعامل ابن المتعلم مع ابن الجاهل في المدرسة، وستنشأ أجيال مشوهة… كل شيء بالنسبة لها عادي ومتقبَّل!
س12: في ختام هذا اللقاء، ما المشاريع التي يعمل عليها نور الدين المسلمي اليوم؟ وما الرسالة التي تود أن توجهها إلى الشباب الذين يحملون حلم الكتابة ويبحثون عن مكان لهم في عالم الأدب؟
ج12: رسالتي للشباب هي أن الأدب كبير، ودنيا الله واسعة، اطرق الأبواب كلها، ولكل مجتهد نصيب… مشاريعي الحالية سوف تنصب على البحث العلمي ونشر بعض من القصص للقارئ العربي، وإن لم نستطع أن نذيق العرب لذة ما نكتب فبإذن الله نذيقهم لذة علمية بأبحاث رائدة في الطب وفي كل خير إن شاء الله.
خاتمة
وهكذا أسدل مجلس الحكواتي ستاره على لقاء حمل الكثير من التأملات، وعرّفنا بتجربة شابة تسير بخطى واثقة بين ميادين العلم وآفاق الأدب، واضعةً الإنسان في قلب اهتمامها، سواء عبر الكلمة أو المعرفة.
كان هذا الحوار فرصة للتعرّف إلى جانب من رؤية الكاتب نور الدين المسلمي، وإلى الأفكار التي تشكّل مشروعه الأدبي، وهو مشروع لا يزال في بداياته، لكنه يحمل ملامح الطموح والاجتهاد والبحث المستمر.
باسم مجلس الحكواتي، نتقدم لضيفنا بخالص الشكر على رحابة صدره، وعلى ما أتاحه لنا من مساحة للحوار، متمنين له دوام التوفيق في مسيرته العلمية والأدبية، وأن ترى أعماله القادمة النور، فتجد مكانها بين قرّاء الأدب العربي.
إلى لقاءٍ جديد مع قامةٍ أخرى، وتجربةٍ جديدة، وحكايةٍ تستحق أن تُروى…
دمتم بخير.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img