ما وراء المشهد
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
السودان الذي يجمعنا (1)
هناك أغانٍ نسمعها فنطرب، أو نعود معها إلى زمن مضى. لكن بعض الأغنيات تفعل شيئاً أبعد من ذلك؛ فهي تحتفظ بشيء من روح المكان، وتترك في الذاكرة صورة لإنسان كان يحلم بوطنه ويبحث عنه .
في هذا العمود أعود إلى « بناديها »، التي تغنى بها الفنان الراحل محمد وردي، وكتب كلامتها الشاعر عمر الطيب الدوش.
تبدأ الأغنية بصوت يبحث عن « هي » بين العيون والأحزان والناس، قبل أن يتسع النداء إلى التاريخ والأجداد والمستقبل.
وربما لهذا في اعتقادي تبدو الأغنية اليوم أوسع من زمنها؛ فهي لا تحكي حكاية شخص فحسب، وإنما تفتح سؤالاً عن الوطن حين يصبح بعيداً .
ما يلفت انتباهي قي ” بناديها” كدارس للتاريخ، أن الشاعر لا يبحث عن « هي » في الحاضر وحده، بل يفتش عنها في التاريخ، ويسأل الأجداد، وينظر إلى المستقبل .
وهنا تتحول الأغنية من عمل فني إلى سؤال عن الوطن، والذاكرة ، والتاريخ
فالسؤال : ماذا يبقى من الوطن في ذاكرة الإنسان عندما يتغير الزمن؟
ولعل هذه إحدى وظائف التاريخ الكبرى؛ فهو لا يحفظ الماضي لذاته، وإنما يساعد الأمم على فهم حاضرها، حتى لا تدخل مستقبلها وهي فاقدة لذاكرتها.
لا أقرأ « بناديها » اليوم كما كنت أقرأها من قبل؛ فالكلمات تتغير مع الزمن، وتتغير أكثر عندما يتغير موقع الإنسان من الحياة.
وما كان يبدو في يومٍ أغنية عن الحنين والحرية ، أصبح اليوم سؤالاً يطرحه كل من اضطر إلى مغادرة وطنه مجبراً، ثم يتحول إلى سؤال عن وطن بأكمله .
لكن تجربتي الشخصية مع الابتعاد عن الوطن ليست هي القضية .
القضية أكبر من فرد
فالحرب التي يشهدها السودان اليوم دفعت أعداداً هائلة من الناس إلى مغادرة بيوتهم، وفرقت أسراً، وعطلت حياة، وأصبح كثيرون يحملون وطنهم معهم بدلاً من أن يعيشوا فيه .
هنا : ماذا يحمل الإنسان عندما يغادر بيته؟
قد يترك المنزل، والشارع، والمدرسة، والحي، لكنه لا يترك بسهولة اللغة، والأغنية، ووجوه الناس، والحكايات، وذاكرة المكان وتاريخه .
وهنا تتجلى قيمة الفن في كتابة التاريخ؛ فالمؤرخ يوثق ما حدث ويحاول تفسيره، أما الأغنية فتحتفظ أحياناً بما شعر به الناس تجاه ما حدث .
ولهذا فإن الأغنية السودانية، في تاريخها الطويل، ليست ترفاً ثقافياً، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية. والذاكرة في أوقات الأزمات ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما وسيلة لحماية ما يستحق أن يبقى ويجمع الناس.
لكن الأمر الذي أراه مهماً :
إذا كنا نريد للسودان أن يتجاوز محنته ، فلا ينبغي أن نسمح للحرب بأن تصبح هي القصة الوحيدة التي نرويها عنه… فالسودان ليس هو الحرب
بل هو أيضا ً: تاريخ مشترك، وثقافة، وفنون، وآداب، وتعليم، وجامعات، ومدن، وقرى، وعلاقات إنسانية صنعتها أجيال متعاقبة.
وهذا هو الرصيد الذي ينبغي أن نحافظ عليه، لأنه يمثل نقطة البداية لأي مستقبل نرجوه .
فالسودان الذي ينبغي أن نبحث عنه ونناديه اليوم : هو الذي يجمعنا
وهذا لا يعني : تجاهل الخلافات أو محوها من التاريخ؛ فالمؤرخ لا يفعل ذلك. لكن هناك فرقاً بين أن نفهم اختلافاتنا، وبين أن نجعلها قدراً دائماً .
وفي زمن الأزمات، لابد أن يكون دور المثقف أن يذكّر الناس بما قد تنسيهم إياه الأزمة؛ أنهم كانوا شعباً قبل أن يصبحوا أطرافاً في صراع، وأن ذاكرتهم المشتركة أوسع وأعمق من سنوات الحرب .
ولهذا ، حين أعود إلى « بناديها » اليوم، لا أبحث عن نبوءة سياسية في كلماتها، وإنما عن الإنسان الذي ينادي شيئاً غاب عنه، لكنه ما زال يؤمن بإمكانية لقائه .
وربما هذا هو السؤال الذي نحتاجه الآن :
ماذا نريد أن نجد في السودان عندما نلتقي فيه من جديد؟
هل نريد أن نجد فقط آثار ما حدث؟
أم وطناً استطاع، رغم محنته، أن يستعيد ذاكرته، ويحفظ تنوعه وتاريخه، ويجمع أبناءه، ويفتح لأجياله طريقاً جديداً؟
قد لا نستطيع أن نغيّر الماضي، لكننا نستطيع أن نقرر كيف نحكِيه ، وماذا نتعلم منه، وما الذي نريد أن نحمله منه إلى المستقبل .
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله الآن ان لا نكتفي بأن ننادي السودان… بل أن يعمل كلٌّ منا، من موقعه، على أن يجد السودانيون السودان الذي يجمعهم، لا السودان الذي تفرضه عليهم الحرب .


