الأخوان رايت في خريف ظفار

نشرت :

ماجد المرهون

ويلبر واولفير رايت هُما اول من صنع طائرة بمحركٍ وقابلة للتحكُّم، ولو انهما بُعثا من مرقدهما اليوم واستلقيا بجسديهما المُثقلان بالديون في واحدٍ من أهم مطاراتنا، لساورهما العُجب ولداخلهما شعور نرجسي عارم بوجود نموذج حي يجسد المُحاكاة الإستثنائية للفرادة والتفرد؛ ذلك النموذج يُمثِّله حاملان وطنيان يكتنفان معًا مُفردات معجمية رائعة عن السلام العماني المعروف، وربما قررا عن طيب خاطر التضامن مع الاخوين رايت أو قد يكون من باب التآزر التاريخي غير المقصود.

وكأن الأوحدان المُتفردان يُعيدان على جناح السرعة اختراع مفهوم جديد للجاذبية، فكلما اقترب موسم الخريف في محافظة ظفار ارتقى سعر التذاكر نحو الحد الأقصى لطبقة ستراتوسفير الجوية، والكل في ذروة الموسم يبحث لنفسهِ موضع سوطٍ في الجنة بطريقة أو اخرى للحضور أو للكسب، وبالطبع لن يتحقق ذلك للجميع إلا من تحققت له بعض العوامل والمقومات وانطبقت عليه بنود الشروط والأحكام المجهرية، بينما تتجول الغالبية العظمى من الحالمين بالسفر بين التطبيقين الميمومنين في رحلتهم المكانية الجامدة على الأرض الصلبة، كمن يتنقل بين مِقصلتين يقدم كلاهما نفس الخدمة بالفرادة ذاتها.

تقف الأولى بأناقة العراقة مع كهولتها لتطلب لقاء السفر في رحلةٍ داخلية إلى صلالة – مسقط أو العكس مايعادل أو يفوق اسعار التذاكر الدولية لدى بعض المُشغِّلين الذين تخلصوا من ثقافة احتكار ابناء رايت للأجواء، والأخرى بعنفوان شبابها تقدم التذكرة بسعرٍ يبدو اقتصاديًا فقط إذا ما قورن بأسعار سبيس اكس إلى المريخ، وتبدأ هنا المنافسة الرياضية للأوزان في احتساب قدرة محفظة المسافر على رفع وخفض الأثقال، ولعل وزن الريشة أو الذبابة هما الأوفر حظًا.

إنهما الأخوان رايت بامتياز؛ مُتفردان بالفضاء الداخلي ويتشاطران الأجواء بانسجام يبعث على رفع القبعة لهما، ويراقب المسافر المذهول ذلك التناغم الأخوي مستدركًا الفكرة الكلاسيكية السائدة والصارخة بصمت: إن لم يُعجبك التحليق مع الأخوين رايت فالطريق البري فيه رحابة ومتسع لأحلامك المتواضعة، وعلى قدرها وجب عليك تحمُّل وعثاء البراري والقفار والصحاري والغُبار مع مشاقها ومخاطرها، وقد تجد في الأمر تغذية بصرية لك ولأسرتك لا سيِّما الكبار منهم وهذا اذا كنت متيقظًا بما فيه الكفاية، اما الصغار فسينامون نصف المسافة أو عدة ساعات على أقل تقدير، وعليكم جميعًا التحلي بالصبر والتضحية بتسع ساعاتٍ على العجلات الرخيصة الخطيرة مُقابل ساعةٍ ونصف على الأجنحة الغالية الآمنة، والأمر لك فانظر ايهما تختار.

لقد اسفرت هذه المُلهمة الأخوية عن ظاهرة خفية تُعرف نفسيًا عند طالب السفر “بديناميكية الحجز عند الضرورة” فإذا حدث طارئ يستدعي سفر احدهم عاجلًا في شهر يوليو او اغسطس فإن نظام الحجز سيتعامل معه كممول رئيس لتطوير الأسطول لا كمسافر مضطر، وقد تظهر له الاسعار المزلزلة كقراءات تصاعدية على مقياس ريختر، حتى يُخيل له أن المطلوب هو مُساهمة انسانية في ملكية الطائرة وليس لقاء مقعدٍ عادي، او ربما رسوم خدمةٍ استثنائية ليلقي عليه المُضيف قصائدًا مُتنبية لساعة ونصف ويختمها بزيارة ابو الطيب لبلاد فارس قائلًا:
مغاني الشِعب طيبًا في المغاني، بمنزلة الربيع من الزمانِ
ولكن الفتى العربي فيها، غريب الوجه واليد واللسانِ

تتغشى في هذا الموسم الجميل كل نظريات الاقتصاد الحر بالضبابية، وتغدو المُنافسة مُغبَّشة مع تحرك كل ساكنٍ فيها، ولا يوجد شيء ثابت سوى عشق الناس ومحبتهم لهذه البقعة الطيبةِ الخضراء -وأرجو أن يبقى كذلك-، فيحاول تقاسم قطعةٍ منها كل من استطاع إليها سبيلا بما فيهم الأخوين رايت الجدد، وقد اتقنا ادوار المنافسة من حيث المُفردة المُعجمية فقط، فهذا عينه على اموالك في وجهتهِ ولكنه يقنعك بجودة الخدمة والرفاهية، والآخر يجردك منهما وبنفس المقصد ولكن بالمُفردة الاقتصادية ليعيدك إلى نفس السعر أو قريبًا منه، فنِعم الوجة ونِعم المقصد.

ومن يبحث عن مقعدٍ يتيم عند باب الطوارئ في ذروة الموسم سيتلقى ردودًا آلية “عذرًا، الرحلات مكتملة” تشعره بأنه يطلب تأشيرة لقضاء الصيف في القطب الجنوبي، لينتظر الحجز القادم على الرحلة الداخلية في موسم الصرب فوق مقعد خلف المحرك مباشرة يشنِّف بصوته مسامعة.

لقد بات خَيار سفر الطيران الداخلي في اوقات المناسبات والمواسم للاسترخاء او عند الضرورة اقرب مايكون للحظ بفوز يانصيب اللوتري الامريكي، وأضحى اختبارًا قاسيًا لمدى قدرة المسافر على ضبط النفس والصمود المعنوي والمالي، فحين يبتسم الخريف للزوار وتبتسم الطبيعة بجمالها الجاذب، يبتسم الأخوين رايت في سكونٍ تام وتصالح منقطع النظير مع الذات، ويرقبان في صمتٍ مُعاناة المسافر وهو يحسب تكلفة التذاكر الداخلية مع وضوح التناقض المقرون بتذاكر العواصم الاوروبية، وقد تكون تذكرة إلى نيودلهي اكثر رفقًا بالحال واحفظ للكرامة من قطع مسافة ألف كيلومتر داخل الحدود الجوية الوطنية.

اخيرًا، لا يسعنا إلا رفع أكُف الثناء والإعجاب لهذين الأخوين، إذ اثبتا ان مبدأ الطيران ليس مجرد رفع جسمٍ ثقيل عن الأرض تحديًا للجاذبية بواسطة قوانين الديناميكا الهوائية، بل هو في نسختهِ المحلية رفع متواصل لأسعار التذاكر تجعل عقل المُسافر يطير في مكانه من الذهول دون الحاجة لطائرة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img