بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
جريمة في بوردو
الفصل الخامس عشر
الورقة الخامسة
الفيلا الأولى
اتصل العميد حمد بالكولونيل رينو قائلاً:
حمد: أين أنت؟ لقد وجدنا الفتاة.
رينو: جيد جدًا، نحن نسير في الطريق الصحيح وبسرعة فائقة، ولكن الفتاتين تحتاجان إلى مساعدتنا. لا أدري ما الذي حدث، غير أن الأمر يبدو ملحًا.
حمد: حسنًا، نلتقي هناك.
خرج العميد حمد من الفندق متجهًا نحو شارع Rue Sainte-Catherine المؤدي إلى فيلا السيدة سارة، المعروفة باسم «حدائق سارة». وبينما كانت السيارة تشق طريقها، غرق في تفكير عميق، وأخذ يقلب الأوراق التي أمامه وهو يحدث نفسه:
من له مصلحة في قتل سام؟ إذا استبعدنا المافيا، فمن بقي؟ ومن يملك الدافع الحقيقي للتخلص من هذا التاجر العجوز؟ يبدو أن القاتل على دراية بأساليب المافيا وطرقها في تصفية خصومها، بل إنه يحاول إيهامنا بأن المافيا هي من ارتكبت الجريمة. ومن ناحية أخرى… هل لروز دور في حياة سام، أم أنها مجرد عابرة سبيل؟
ظل غارقًا في أفكاره حتى قطعها صوت السائق:
السائق: سيدي… لقد وصلنا.
دخل العميد حمد الفيلا للمرة الأولى، وأخذ يتأمل ذلك البناء الفخم المشيد على هيئة كاتدرائية إيطالية عتيقة. ولاحظ أن المكان يضم مجموعة من الفلل، ليست جميعها بالطراز نفسه؛ فبعضها حديث البناء، بينما يجمع بينها نظام من الممرات المائية على هيئة جداول صغيرة، تعلوها جسور خشبية متحركة، وما إن تعبرها حتى ترتفع خلفك، فتبدو الفلل وكأنها جزر مستقلة.
كانت الأشجار والورود تحيط بالمكان من كل جانب، حتى يخيل للزائر أنه عاد إلى القرن الرابع عشر الميلادي. وعندما دخل إلى بهو الفيلا الرئيسية، شعر وكأنه في مدينة البندقية الإيطالية، لما رآه من روعة في التصميم الداخلي والزخارف التي عكست ذوقًا إيطاليًا أصيلًا، وكأن صاحب المنزل نقل قطعة من إيطاليا إلى قلب بوردو.
وقبل أن يصعد إلى الطابق الثاني، سمع صوت رينو يقول:
رينو: عذرًا على التأخير… أليس كذلك؟
حمد: لا بأس، لقد وصلت في الوقت المناسب.
ثم أشار إلى تمثال نصفي مصنوع من الذهب الخالص.
رينو: هذا تمثال لوجه سام، وذلك جناحه الخاص. لقد سمحت لنا السيدة سارة بتفتيش المكان. هيا، تعال لترى ما الذي وجدته الفتاتان.
ابتسمت ليلي وقالت:
ليلي: أهلًا بكما… تعاليا وانظرا ماذا وجدنا.
اقترب رينو، ثم قال بدهشة:
رينو: يا إلهي… إنها خزنة مسيو سام الخاصة!
وأخذ يتحسس سطحها، ثم أردف:
رينو: إنها ليست خزنة رقمية، بل تعمل بنظام الأحرف، وهذا النوع من الخزائن يصعب فتحه. لا بد أن سام اختارها عمدًا لتكون عصية على أي شخص يحاول العبث بها، لذا سنحتاج إلى خبير مختص.
تأملها العميد حمد مليًا، ثم قال:
حمد: يا لها من خزنة! ولكن سؤالي: أمعقول أن السيدة سارة لا تعلم بوجودها؟
وأخذ يفحصها من الخارج بعناية.
ليلي: سيدي، هذا النوع من الخزائن يعتمد عادة على كلمات أو أحرف ذات دلالة خاصة بصاحبها، ولذلك يصعب تخمينها.
ظل العميد صامتًا لحظة، ثم قال:
حمد: هل السيدة سارة على علم بهذه الخزنة؟
ثم التفت إلى رينو وأضاف:
حمد: اتصل بصديقنا الخبير. لا فائدة من بقائنا هنا، ولو قضينا مئة عام نحاول فتحها فلن نصل إلى نتيجة.
هيا بنا… إلى الورقة السادسة.
✦ ✦ ✦
الورقة السادسة
سام غوستاف جونيور
وصل الفريق إلى قرية Tonneins.
أشار العميد إلى أحد البيوت المتواضعة وقال:
حمد: أظن أن هذا هو المنزل، بحسب وصف صديقنا ستيفانو.
طرق الباب، وبعد دقائق فتحت لهم سيدة في العقد الثالث من عمرها، وقالت بهدوء:
الفتاة: تفضلوا… كنت في انتظاركم.
تبادل الجميع نظرات الدهشة.
قطع رينو الصمت قائلاً:
رينو: تنتظرين وصولنا؟
الفتاة: نعم، لقد أخبروني أنكم تبحثون عني، وفرحت لأنني سأكون تحت حماية الشرطة.
حمد: إذًا، لا نريد أن نضيع الوقت… أخبرينا بكل ما لديك.
تنهدت الفتاة وقالت:
روز: أنا روز. لا أعلم إن كان هذا الاسم قد أطلقه عليَّ والدي، أم هو اسم من رباني. احترفت التمثيل، ولم أكن مشهورة، لكنني كنت ممثلة جيدة.
وفي إحدى السهرات التقيت بمسيو مصطفى، فأُعجب بي، كما كان يقول. وبعد عدة لقاءات طلب مني أن أتعرف على سام، وقال لي بالحرف:
“أريده أن يحبك.”
ثم أعطاني قارورة صغيرة وقال:
“ضعي هذا المحلول في شراب التوت، فهو شرابه المفضل.”
كان يريد قتله بأي وسيلة.
نظر حمد إليها وسأل:
حمد: ومن أعطاك السم؟ هل كان مصطفى؟
روز: نعم، يا سيدي. وقال لي أيضًا:
“استخدمي سحرك… ودعي العجوز يغرق في بحر عينيك.”
ثم منحني مبلغًا كبيرًا من المال.
سأل رينو:
رينو: وما مصلحة مصطفى في قتل مسيو سام؟
ابتسمت روز بسخرية وقالت:
روز: الأمر ليس مصطفى… إنه ينفذ أوامر هنري. مصطفى هو الساعد الأيمن لمسيو هنري دي مازرين.
قالت منى بحماس:
منى: إذًا أصبحت القضية أوضح. يبدو أن هنري متورط في جريمة قتل والد زوجته.
لكن… لماذا يريد التخلص من سام؟
وفي تلك اللحظة دوّى في أرجاء المنزل بكاء طفل رضيع.
ابتسمت روز وقالت:
روز: اسمحوا لي لدقائق… ابني يريد الحليب.
فقال العميد حمد بهدوء:
حمد: إنه ابن مسيو سام، أليس كذلك؟
نظرت إليه بدهشة وأجابت:
روز: نعم… إنه سام غوستاف جونيور.
ثم أردفت باستغراب:
روز: ولكن… كيف عرفت ذلك يا سيدي، وأنا لم أكمل الحكاية بعد؟
يتبع ….
من ملفات العميد حمد الشميسي
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
جريمة في بوردو
الفصل السادس عشر
الورقة السابعة
الكلمات المتقاطعة
«نعم… نعم… حسنًا، نحن الآن في مهمة، وسوف ننجزها. سنحضر حالًا إلى فيلا مسيو «سام»».
رفع العميد حمد رأسه وقال:
العميد حمد: من المتحدث؟
رينو: إنه خبير فتح الخزائن. يقول إنهم لم يستطيعوا فتح الخزنة، لكنهم تمكنوا من العثور على عدة أحرف، بعضها تصاعدي وبعضها تنازلي.
العميد حمد: يعني مثل الكلمات المتقاطعة، أليس كذلك؟
رينو: نعم. وقد قال إن تلك الأحرف هي فقط التي تمكن من معرفتها من خلال ما توصل إليه.
ثم سكت قليلًا، قبل أن يقول:
رينو: لا أظن أننا سنحتاج إلى تلك الخزنة اللعينة. القضية بدأت تتضح، وسوف تنتهي بتوجيه التهمة إلى مسيو «هنري» ومسيو «مصطفى»، بناءً على أقوال «روز»… ولكن إلى الآن لا يوجد دافع قوي يجعلني أؤمن بأن مسيو «هنري» قد فعلها. لا زلت غير مصدق ذلك.
منى: سيدي، لا وقت للحديث عن الخزنة الآن. لابد أن نعرف ما لدى هذه المرأة من معلومات قد تساعدنا في إلقاء القبض على المجرمين، سواء كان مسيو «هنري» أو مسيو «مصطفى» أو…
وسكتت فجأة، وهي تنظر إلى «ليلي»، بعدما أخذها الحماس فلم تتمالك نفسها.
كانت «ليلي» في حالة صدمة شديدة، فلم تستطع الحديث إطلاقًا.
لاحظت «منى» ذلك، فقالت محاولة التخفيف عنها:
منى: لا عليكِ يا عزيزتي. إلى الآن ليس هناك شيء مؤكد. كلها افتراضات. وعلى فكرة، لا يوجد دليل لدى هذه المرأة على صدق كلامها، مجرد كلام وأقوال، وليست متزنة تمامًا.
ثم تابعت:
منى: نحن، كما تعلمين، عملنا لا يعتد بمثل هذه الأشياء. عملنا يختص بالقرائن والأدلة والبراهين، فلا تقلقي.
وفي تلك اللحظة حضرت «روز» بعد أن أدت مهمتها كأم لطفل لم يتجاوز عامه الأول.
روز: آسفة، لقد تأخرت عليكم، ولكن «سام جونيور» لا يشبع من الحليب!
قالتها وهي تضحك.
نظر إليها العميد حمد، ثم قال:
العميد حمد: روز، نحن نريد الحقيقة. حتى الآن كلامك ليس منطقيًا. ما الذي يجعل «هنري» يتآمر على والد زوجته؟ بوجود «سام»، سيكون «هنري» الرابح الأكبر، مع زوجته.
وهنا نظر العميد حمد إلى الطفل، وسكت.
وكأنه لم يكن يتحدث قبل قليل.
ظل ينظر إلى الصبي لثوانٍ، ثم قال فجأة:
العميد حمد: كلام روز صحيح… حل هذه الأسئلة ليس هنا. الحل هناك، في جناح مسيو «سام». الحل في الخزنة… كل شيء موجود هناك.
ثم نهض وقال:
العميد حمد: هيا بنا.
ونظر إلى «روز» قائلًا:
العميد حمد: تعالي يا روز، أنتِ في أمان، فلا تخافي. نحن معك.
ثم أضاف:
العميد حمد: ولكن قبل أن نذهب، نريد أن نعرف بقية الحكاية.
الورقة الثامنة
لا تأمن مكر النساء
جلست «روز» أمامهم، ثم بدأت تكشف المزيد من أسرار القضية.
روز: سيدي، لقد سبق وقلت لكم إن «مصطفى» أعطاني أموالًا، وقال لي: يجب أن تكوني في طريق «سام». أنتِ جميلة، وتستطيعين أن تغويه.
فقلت له: لماذا؟
فقال «مصطفى»:
«هذا الرجل يتحكم في مليارات الدولارات، ومن المعيب أن يستمتع بها وحده. ونحن شركاؤه، بل إن كل الأعمال نحن من يقوم بها وليس هو. لذلك سوف ننفذ العدالة على طريقتنا».
ثم أعطاني السم وقال:
«في لحظة ما، افعليها، ولن يشك أحد. الرجل قد تجاوز الستين، وهبوط القلب سيكون أمرًا طبيعيًا لرجل مارس الرياضة وتجاوز مقدراته الجسدية. هل فهمتِ أيتها الجميلة؟»
رينو: أكملي… هل لديك دليل على هذا الكلام؟
روز: نعم يا سيدي. لقد وضعت مسجلًا صغيرًا جدًا، وسجلت كلامه حرفيًا. هذه طريقتي لكي أحافظ على حياتي، فإذا أراد أحدهم أن يغدر بي يومًا، يكون لدي ما يحمي حياتي.
ثم قالت ضاحكة:
روز: لا تأمن للمرأة عندما تضع يدها اليمنى فوق اليسرى، وتقف تستمع إليك بإسهاب… لا تأمن مكر النساء!
نظرت إليها «منى» وقالت:
منى: وبعدها، ماذا فعلتِ يا «دليلة»؟
ابتسمت «روز» وقالت:
روز: لقد تعرفت إلى «سام». ورغم أن عمره تجاوز الستين بقليل، إلا أنه كان رجلًا حيويًا، عطوفًا، كريمًا، ذا أخلاق عالية.
ثم سكتت قليلًا، قبل أن تضيف:
روز: الحقيقة، لقد أعجبت به. كان أبًا حقيقيًا، وربما كان إعجابي به كأب، فأحببته. ويبدو أنه كان يبحث عن امرأة مثلي.
ثم تابعت:
روز: وتُوّج هذا الحب بأن تزوجنا مدنيًا. وقال لي: سوف أطلق زوجتي وأتزوجك رسميًا.
ثم أخرجت من حقيبتها وثيقة الزواج المدني، وأتبعتها بالتسجيل الذي قامت به سرًا.
نظر الجميع إلى بعضهم بعضًا، فقد بدأت خيوط جديدة تظهر أمامهم.
الورقة التاسعة
بداية الخيط
دخل الجميع إلى جناح مسيو «سام».
كانت الخزنة تقف أمامهم، صامتة، وكأنها تخفي خلف بابها الحديدي سرًا قد يقلب القضية رأسًا على عقب.
اقترب العميد حمد منها، وأخذ يمرر يده على سطحها، ثم التفت إلى خبير فتح الخزائن وقال:
العميد حمد: والآن، ما الحل؟ نحن نريد فتح هذه الخزنة بأي طريقة.
أجابه الخبير:
الخبير: سيدي، الخزنة محكمة الإغلاق، وكما قلت سابقًا، ومع حرصي على سلامتكم الشخصية، فإن هذه الخزنة موصولة بصاعق كهربائي يحول دون فتحها عنوة. وهذا النظام محكم، بحيث إن من يحاول فتحها بالقوة قد يتسبب في انفجار البيت بأكمله.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال:
الخبير: لذلك، الحل الوحيد هو حل الكلمات التي تمكنا من اكتشافها.
التفت العميد حمد إليه وقال:
العميد حمد: أعطني الكلمات.
ثم نظر إلى أخته وقال:
العميد حمد: هذه لعبتكِ… أنتِ تحبين حل الكلمات المتقاطعة. سوف نعتبرها وكأنها كلمات متقاطعة.
ثم التفت إلى الجميع:
العميد حمد: كل واحد منا يأخذ حرفًا من الأحرف، ونحاول أن نجد له معنى في حياة «سام». فهذه الأحرف مرتبطة بأحداث بالتأكيد حدثت مع «سام».
ثم قال:
العميد حمد: وربما تدلنا على القاتل مباشرة.
قالت «منى» وهي تنظر بلهفة إلى الخزنة:
منى: الله يعين…
ثم التفتت إلى الخبير وقالت:
منى: أين الكلمات؟
أخرج الخبير الورقة التي دوّن عليها الأحرف، وقال:
الخبير: حرف السين… وهذا الحرف هو الحرف المركزي، أو الحرف الذي تدور حوله بقية الأحرف.
ثم تابع:
الخبير: إذا حللنا حرف «السين»، فقد نعرف بقية الأحرف مباشرة، دون الدخول في بقية الكلمات. بمعنى آخر، حرف «السين» هو المفتاح الرئيسي… أو مفتاح السر.
ثم أشار إلى حرف آخر:
الخبير: ويليه حرف الفاء، وهذا الحرف يقع في آخر الجملة.
ثم قال:
الخبير: أما من الناحية الأخرى، فيقابله حرف الواو، وهذا الحرف يقع في الوسط تمامًا.
ثم أشار إلى الحرف الأخير:
الخبير: وهناك أيضًا حرف الراء… وهذا آخر الحروف.
نظر الجميع إلى الأحرف في صمت.
قال العميد حمد:
العميد حمد: لابد أن نكوّن منها جملة مفيدة. هذه الجملة هي المفتاح.
اقترب الجميع من الخزنة، وأخذ كل واحد منهم يحاول ترتيب الأحرف والكلمات.
فقد تكون هذه الجملة هي مفتاح فتح خزنة مسيو «سام»…
وقد تكون، في الوقت نفسه، مفتاح حل لغز مقتله.
أو على الأقل…
قد تزيح الستار عن السر الذي ظل مخفيًا طوال هذه القضية.
مفردات الكلمات
دليلة: امرأة أسطورية عُرفت بذكائها الشديد، واشتهرت في الروايات القديمة بقدرتها على الإغواء والمراوغة.


