قراءة نقدية: “الواقع بين لعبة الفانتازيا والجرأة الإبداعية”

نشرت :

الرواية: “هيفاء”

الكاتب: فايل بن سعيد المطاعني (سلطنة عُمان).

الناقدة: جليلة المازني (تونس).

1- التقديم المادي لرواية “هيفاء”:

إنّ رواية “هيفاء” للكاتب فايل بن سعيد المطاعني وردت في سبعة عشر فصلًا، وقد أسند عنوانًا لكل فصل كمحتوى مصغّر للفصل، وبعض الفصول قُدِّمَت بتصدير يوحي بجوهرها.

أ- في قراءة للعنوان:

لقد أسند الكاتب لروايته عنوانًا يحمل اسم فتاة (هيفاء)، وهو في ذلك يتناص مع العديد من المبدعين.

يُعد عنوان الرواية باسم فتاة عتبة نصية مركزية تختزل دلالات عميقة:

  • مركزية الشخصية:
    • التمحور حول البطلة: يرفع العنوان من شأن الفتاة ليجعلها محور السرد وموجّهة الأحداث.
    • إثبات الكيان: يعكس إبراز اسم الأنثى في العتبة الأولى للنص هويتها المستقلة.
    • الخصوصية الإنسانية: يضفي طابعًا حميميًا وشخصيًا يجعل القارئ يرتبط وجدانيًا بصوت البطلة منذ اللحظة الأولى.
  • الدلالات الرمزية والاجتماعية:
    • رمزية المعاناة والقهر: قد يرمز اسم الفتاة إلى واقع مجتمعي قاسٍ تقع الأنثى ضحيته أو رهينة للعادات والتقاليد.
    • التمرد والرفض: يعبر العنوان عن صوت الخرق والاحتجاج ضد الأنساق السائدة والتهميش في المجتمعات الذكورية.
    • معاني النقاء أو الأمل: تحمل بعض الأسماء دلالات لغوية شفافة ترمز إلى الخلاص أو الإشراق وسط عتمة الواقع.

ب – في قراءة صورة الغلاف:

وضع مُصمّم الغلاف صورة فتاة ذات بشرة سمراء وملامح جميلة، ولعلها صورة “هيفاء” وهي في حالة تفكير وتأمل.

فيما تفكر وتتأمل؟

ج- التصدير:

يقول الكاتب فايل المطاعني في تصدير الرواية:

​”نمضي في هذه الحياة ولا نعلم ما كُتب لنا في صحائف الأقدار، فكثيرًا ما نكون ضحايا ما نظن أننا نسعى إليه، ولا نملك حينها إلا الرضا… أو الانكسار.”

2- التحليل: الواقع بين لعبة الفانتازيا والجرأة:

استهل الكاتب الفصل الأول من الرواية بمفاجأة للشخصية الرئيسية “هيفاء” تتمثل في باقة ورود قد أرسلها إليها حبيبها “محمد” المتخلي عنها.

وفي هذا الإطار، فإن هيفاء لِتَشُدَّ القارئ دخلت في سلسلة من حديث النفس يشي بصراعها بين قلبها الذي ما زال يحبه وعقلها الذي يرفضه لأنه تخلى عنها لأن والدته ترفض لون هيفاء الأسمر.

ومن خلال حديث النفس المتتالي حول الماضي والذكريات الجميلة التي عاشتها هيفاء مع محمد، يغوص الكاتب في تحليل نفسيّ لهيفاء وهي بين حنين وشوق، وبين قلبها وعقلها، وأخيرًا انتصرت لعقلها برمي باقة الورود في سلة المهملات.

والكاتب هنا يتقاطع مع الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي المحسوب على الواقعية، لكنه يغوص في تحليل النفس البشرية.

إنّ هذا الاستهلال بالفصل الأول وما تبعه من الفصل الثاني والثالث والرابع يجعل أفق انتظار القارئ يتوقع الحديث عن علاقة حب وفراق بين هيفاء ومحمد، وما قد يتخللها من حنين وشوق ومفاجآت في هذه العلاقة.

بيد أن الفصول المتعاقبة الأخرى تكسر أفق انتظار القارئ، ويجعل الكاتب “مسافة جمالية” بين أفق انتظار القارئ وأفق النص.

وكلما ازدادت هذه “المسافة الجمالية” بين الأفقين، كانت متعة النص بحسب نظرية التلقي الألمانية لـ “ياوس” و”آيزر”.

إن الكاتب نقلنا من عالم الواقع إلى عالم الفانتازيا بداية من الفصل الخامس وما تلاه من فصول إلى الفصل السادس عشر.

وفي هذا الإطار، ما علاقة الفانتازيا بالواقع؟

يرى بعض النقاد أن: “الفانتازيا والواقع وجهان لعملة واحدة في الأدب والفن، فالقاص يسبح في عوالم الخيال والسحر ليهرب من قيود المادة، لكنه يظل يغرف من آلام الواقع ومخاوفه وتطلعاته ليمنح خياله المعنى والعمق”(1).

  • طبيعة العلاقة بين الواقع والفانتازيا:
    • الانفصال الظاهري: تبني الفانتازيا عوالم وهمية لا تنتمي لقوانين الطبيعة.
    • الارتباط الجذري: تستمد الفانتازيا رموزها من صراعات البشر الحقيقية كالظلم والحرية…
    • أداة نقد: يُستخدم الخيال كمرآة فاضحة لعيوب المجتمع دون تصريح مباشر.
  • الوظائف الأدبية:
    • الهروب الآمن: تمنح الفانتازيا القارئ مساحة التحرر المؤقت من ضغط الحياة.
    • التجسيد الرمزي: تحويل الأفكار المجردة إلى كائنات أو عوالم محسوسة.
    • توسيع الأفق: كسر رتابة الواقع وتحفيز التفكير الإبداعي.

3- تجليات الفانتازيا في تصوير معاناة الواقع:

لقد استخدم الكاتب تقنية الحكاية الأم والحكاية المُضمّنة، وهو أسلوب ابن المقفع في قصة “كليلة ودمنة”.

لقد كانت حكاية هيفاء الحكاية الأم، وقد ضمّنها حكاية “مزون” وحكاية “علي بن مسلم وأخيه أحمد بن مسلم”.

كما أن رواية “هيفاء” تتحرك وفق تقنية الثنائيات الضدية التي تعكس الواقع الأليم، ومن ذلك:

(العلم والشعوذة – الخير والشر – الإيمان والكفر – الحب والعادات..)

أ- ثنائية العلم والشعوذة:

  • ​منذ الفصل الخامس والحلم الذي أقض مضجع العروس “مزون” ابنة خالة هيفاء، ثم النذر الذي فُرض على نصراء أم “مزون” ولم تفِ به وحدث ما حدث للعروس مزون.. يقول الكاتب:

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img