ما وراء المشهد
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
ليس كل ما في التاريخ مكتوباً… بعضه يموت مع أصحابه
رحم الله الزميل الصحفي عامر بن غانم الرواس، ومن سبقه من رواد الصحافة في ظفار. وفي هذا السياق ، استوقفني مؤخراً في صحيفة «اليوم العُمانية» مقالٌ مؤثر للكاتبة ” ثمنة الجندل “، تستعيد فيه ذكرياتها مع زملاء رحلوا، وفي مقدمتهم عامر الرواس .
لم أقرأ المقال كرثاء لصحفي فحسب، بل كشهادة إنسانية على زمن كامل، وعلى أشخاص تركوا أثراً في حياة من حولهم، ثم رحلوا وبقيت حكاياتهم في ذاكرة من عرفهم .
أعادني ذلك إلى سؤال ظل يشغلني منذ سنوات، ويزداد إلحاحاً مع كل رحيل صاحب بصمة: ماذا يرحل مع الإنسان حين يرحل؟ بالنسبة إلى المؤرخ، لا يغيب الإنسان وحده؛ فكل من يغادر الدنيا يحمل معه جزءًا من ذاكرة لم تُدوّن بعد .
نحن نهتم بحفظ الوثائق والمخطوطات والصور والسجلات الرسمية، وهذا أمر بالغ الأهمية، لكننا نغفل أحياناً عن مصدر لا يقل قيمة : وهو الإنسان نفسه ..
فالوثيقة تخبرنا ماذا حدث، أما الشاهد فيخبرنا كيف عاش الناس ما حدث، ولهذا لا يكتمل التاريخ بالوثيقة وحدها، كما لا يكتمل بالشهادة وحدها، وإنما تقترب صورته من الحقيقة حين يلتقي الأرشيف بذاكرة الإنسان .
وهنا تبرز أهمية ” التاريخ الشفوي ” ؛ ذلك الذي تحفظه ذاكرة الشهود الذين عاشوا الأحداث ورأوا التحولات واحتفظوا بتفاصيل قد لا تجد طريقها إلى أي سجل أو أرشيف .
ومن خلال عملي في تدريس التاريخ، وجدت أن كثيراً من كبار السن، وأصحاب الراي والحكمة، وإن لم يحملوا شهادات أكاديمية، لكن يحملون ذاكرة وطن كاملة؛ يعرفون أسماء الأماكن قبل أن تتغير، ويحفظون قصص الناس، ومسارات الهجرة، والعادات والتقاليد، والأمثال، وتفاصيل من الحياة اليومية لا نجدها في كثير من الكتب. ولهذا كنت أردد أن وفاة كبير في السن لا تعني فقدان فرد من الأسرة فحسب، بل قد تعني « احتراق مكتبة كاملة » بما تحمله من معرفة وتجارب لم تُسجل .
واليوم أصبحت الحاجة إلى توثيق الذاكرة أكثر إلحاحاً في ظل الحروب والنزوح والهجرات والامراض والاوبئة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة؛ فكم من شاهد على مرحلة تاريخية يعيش بعيداً عن قريته أو مدينته؟ وكم من قصة ستضيع لأن أحداً لم يسأل صاحبها أن يرويها؟
إن كتابة التاريخ لا تبدأ في دور الوثائق وحدها، بل قد تبدأ في البيت، حين نجلس إلى آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، فنستمع إليهم ونسجل شهاداتهم، ونحفظ أسماء الأماكن وقصص الناس وتجارب الحياة قبل أن يطويها النسيان .
وحفظ الذاكرة ليس مسؤولية المؤرخ وحده، بل مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام وكل من يدرك أن الأمم لا تعيش بذاكرتها المكتوبة فقط، وإنما بذاكرتها المروية أيضاً.
قد لا يستطيع كل واحد منا أن يكتب كتاباً في التاريخ، لكنه يستطيع أن يحفظ شهادة إنسان عاش عصره: يسجل حديثاً مع والده، أو يدون مذكرات والدته، أو يوثق تجربة جده، أو يستمع إلى معلم أو مزارع أو حرفي أو صحفي أو طبيب؛ فكل واحد منهم يحمل جزءاً من قصة هذا الوطن .
وربما لم يعد السؤال اليوم : من سيكتب التاريخ؟
بل: من سنمنحه الفرصة ليرويه قبل أن يرحل؟ فإذا كان لكل جيل شهوده، فإن أكبر خسارة ليست أن يرحلوا، بل أن يرحلوا قبل أن نصغي إليهم. او كما قال الشاعر عوض جبريل : “الودعوا وارتحلوا، شالوا الهنا ورحلوا “


