أوتار الشجن في رائعة يا ظفار أمّنا حين يُداوي الفن ندوب الفقد

نشرت :


بقلم محسن بن محمد الفقيه

ثمة أوقاتٌ تمر على الإنسان تضيق فيها الأرض بما رحبت وتثقل النفس بمرارة الفقد وجراحه الحائرة هكذا كانت نفسي في هذه الأيام مثقلةً بحزنٍ داكن يسكنها وجع الفراق المرّ لواحدٍ من أنبل شباب ظفار وأطهرهم قلبًا الأخ الحبيب الزميل الصحفي عامر بن غانم الرواس الذي آلمنا غيابه وترك غصّةً في صدور كل من عرفه وسار في دربه خَيَّمَ الحزن في ظفار وانطفأَ نُورٌ كان يُضِيءُ مجالسنا وقلوبنا أَبو نُور عامر بن غانم الرواس والذي كلما حاولت الهروب من حزن فراقه أجد طيفه ماثلاً أمامي في كل تفاصيلي وكل ركن وزاوية تشهدُ على طيب أَثره
وفي غمرة هذا الوجع الرمادي وبينما كنتُ أفتش عن ملاذٍ يحتضن هذا الشجن وجدتني في منطقة أتين حيث كان الصمت يخيّم على المكان وكانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجرًا هناك وبينما بدأ رذاذ الخريف يتهادى على الأرض والأسطح كأنه يشارك القلب وجعه ويغسل بقطراته ما عجزت الدموع عن البوح به تسللت إلى مسمعي رائعة يا ظفار أمّنا ولم تكن في تلك اللحظة مجرد أغنية بل كانت عزاءً جاء على هيئة لحن ورفيقًا هادئًا لقلبٍ أنهكه الفقد حتى خُيّل إليّ أن المطر نفسه كان منصتًا تدمع عينيه معي ويترجم بصمته ما عجزت الكلمات عن قوله وإذا بي أقف أمام عتبة عملٍ فنيٍ استثنائي من بيئة ظفار أعاد تشكيل الحزن بآياتٍ من الجمال إنها رائعة الفنان العماني الراحل محمد حبريش رحمه الله يا ظفار أمّنا ولكن بثوبٍ إبداعيٍ جديد
وما هذه الرائعة إلا صفحةٌ من سفرٍ إبداعيٍ زاخرٍ خلّفه الراحل القدير محمد حبريش رحمه الله فمن يتصفح أرشيفه الفني يدرك أنه لم يكن مجرد مؤدٍ للأغنيات بل صانعًا للجمال وراويًا لوجدان المكان وصوتًا حمل هوية ظفار إلى القلوب لقد ترك من الأعمال ما يكفي ليبقى اسمه حاضرًا كلما ذُكر الفن الأصيل
أداءٌ متخمٌ بالعاطفة أحيا هذا الأثر الفني الخالد فقد تسللت الأوتار الأولى للأغنية إلى مسمعي فكانت كقطرات المطر الصافية على أرضٍ أضناها الجفاف لقد بث الفنان القدير أحمد بن مبارك غدير في هذا اللحن من روح شجنه الخاص وجاء أداؤه متخمًا بعاطفةٍ جياشة وأسىً شفيف نجح من خلاله أبوعدنان في استحضار وهج صاحبه الأول الفنان القدير الراحل محمد حبريش رحمه الله مرتحلًا بقلوبنا إلى فضاءاتٍ من الحنين البكر ذلك الحنين الذي يلامس النخاع ويهدهد الروح المتعبة.
ولم يكن العمل مجرد تجديدٍ تقليدي بل منحه المخرج الفنان الأستاذ محمد المردوف أبعادًا دراميةً وحكائية صاغها بذكاءٍ وعمق وبإخراجٍ مبتكر وغير مألوف استطاع أن يخرج بالأغنية من إطارها السمعي الضيق إلى فضاءٍ بصريٍ يحكي قصةً إنسانيةً متكاملة الأركان لقد رسم أبو عبدالله محمد المردوف بلوحته الإخراجية بُعدًا آخر يشبه تمامًا جمال ظفار في خريفها وسحرها مستعينًا بفريق عمل فني وبمجموعة من الأسماء القديرة التي جسدت حكاية “يا ظفار أمّنا” بصدقٍ وإحساسٍ رفيعين فتحول العمل على أيديهم إلى ملحمةٍ بصرية تحاكي الأرض والإنسان والتاريخ
وحين انطفأ الشهد الأخير من الأغنية شعرت أن الفن الصادق وحده هو من يملك ترياق المواساة لقد التقت حنجرة أحمد مبارك غدير ورؤية محمد المردوف وإرث محمد حبريش في عملٍ واحدٍ أعاد إلينا يقينًا جميلًا بأن الفن الأصيل لا يطويه الزمن بل يبقى حيًّا في الوجدان تستحضره الذاكرة كلما لامس القلوب بصدقه وجماله
أما أنا فقد غادرت أتين قُبيل انبلاج الفجر ولم يكن المطر قد توقف ولا الحزن قد انقضى غير أنني أدركتُ أن بعض الألحان لا تُنشد لتُطربنا فحسب وإنما لتجمع شتات أرواحنا حين يبعثرها الفقد ولتخبرنا أن الجمال في ظفار باقٍ وأن الأوفياءَ لا يغيبون ما دامت سيرتهم الطيبة تنبض في القلوب وأن الراحلين وإن غابوا عن الأبصار يبقون حضورًا في الذاكرة كما يبقى صدى اللحن الجميل عالقًا في الوجدان وكما تحتفظ الأرض بآثار من مرّوا عليها بمحبة فلا يمحوهم الزمن بل يخلدهم الوفاء.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img