بقلم: حمود بن علي الطوقي
لفتتني كثيرًا محاضرة سعادة السيد سالم بن مسلم البوسعيدي، وكيل وزارة العمل لتنمية الموارد البشرية سابقًا، التي قدمها في صلالة أمام حضور كبير من رجالات الدولة والمسؤولين والقيادات في القطاعين العام والخاص، ليس فقط لما حملته من أفكار ورؤى حول الاستثمار في الإنسان، وإنما للطريقة التي رسم بها سعادته محطات واضحة لبناء الإنسان، مستندًا إلى تجارب ونماذج واقعية تؤكد أن الإنسان هو نقطة البداية في كل مشروع تنموي ناجح.
وكان من أكثر المحطات التي استوقفتني، وأحسب أنها لفتت أنظار الحضور، عندما انتقل سعادته إلى الحديث عن الاستثمار في الإنسان من داخل الأسرة، مستشهدًا بنموذج من تاريخنا العُماني الحديث، حين أشار إلى اهتمام السلطان سعيد بن تيمور – رحمه الله – بتعليم وإعداد ابنه السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وتأهيله، ليصبح لاحقًا قائدًا لتحول تاريخي كبير في عُمان.
فحين تولى السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مقاليد الحكم عام 1970، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ عُمان، وقاد على مدى خمسة عقود مسيرة النهضة العُمانية الحديثة، التي أحدثت تحولًا واسعًا وشاملًا في مختلف مناحي الحياة.
وخلال تلك العقود بُنيت مؤسسات الدولة الحديثة، وانتشر التعليم، وتوسعت الخدمات الصحية، وشُقت الطرق، وامتدت شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات إلى مختلف المحافظات والولايات، وتطورت البنية الأساسية والاقتصاد والخدمات، وأصبحت لعُمان مكانتها وحضورها الإقليمي والدولي.
لكن الأهم في هذه التجربة أن السلطان قابوس – طيب الله ثراه – لم يكن يبني الحجر بمعزل عن البشر، بل جعل بناء الإنسان العُماني وتأهيله وتمكينه في مقدمة أولويات مشروع النهضة؛ إدراكًا منه أن الإنسان هو الذي يبني الدولة، ويدير مؤسساتها، ويحافظ على منجزاتها ويواصل مسيرتها.
وكما كان السلطان قابوس – رحمه الله – ثمرةً لاهتمام والده السلطان سعيد بن تيمور بتعليمه وإعداده وتأهيله، فقد أولى السلطان قابوس بدوره اهتمامًا بإعداد القيادات الوطنية ومنحها المسؤوليات والخبرات، ومن بينها جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – الذي تقلد على مدى عقود مسؤوليات وطنية متعددة، وكان له دور محوري في إعداد رؤية عُمان 2040 قبل توليه مقاليد الحكم.
وهكذا تتجسد أمامنا صورة متصلة للاستثمار في الإنسان والقيادة؛ فالسلطان سعيد بن تيمور اهتم بإعداد السلطان قابوس، الذي قاد خمسة عقود من النهضة العُمانية الحديثة، والسلطان قابوس منح جلالة السلطان هيثم بن طارق الثقة والمسؤولية في محطات وطنية مهمة، ليقود جلالته اليوم مرحلة النهضة المتجددة، ويواصل مسيرة بناء الدولة العصرية وتنفيذ رؤية عُمان 2040 التي كان أحد أبرز مهندسيها، واضعًا الإنسان العُماني في قلب مسيرة التنمية وصناعة المستقبل.
سالم البوسعيدي.. خبرة تتحدث
وما أعطى المحاضرة قيمة إضافية أنها جاءت من شخصية عايشت ملف الموارد البشرية سنوات طويلة. فسعادة السيد سالم بن مسلم البوسعيدي يعد، في تقديري، من الخبرات والكفاءات العُمانية التي تمثل مرجعًا في مجال تنمية الموارد البشرية، بالنظر إلى مسيرته الطويلة في العمل الحكومي، وما عُرف عنه من اهتمام بتأهيل الإنسان وتنمية الكفاءات الوطنية وإعدادها لتحمل المسؤولية.
ومن يستمع إليه وهو يتحدث عن الإنسان يدرك أن القضية بالنسبة إليه تتجاوز برامج التدريب والتوظيف والهياكل الإدارية إلى فلسفة أوسع، جوهرها أن المؤسسات مهما امتلكت من أموال وتقنيات وإمكانات، فلن تحقق أهدافها دون الإنسان المؤهل القادر على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى إنجاز.
وقد رسم سعادته في محاضرته ما يمكن وصفه بـ خارطة طريق للاستثمار في الإنسان، مستشهدًا بأربعة نماذج مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند حقيقة واحدة: أن وراء كل تجربة ناجحة إنسانًا جرى الاستثمار فيه، ووراء ذلك الإنسان قيادة آمنت به، واكتشفت قدراته، ومنحته الفرصة.
ففي النموذج الحكومي، استشهد بتجربة سنغافورة، التي لم تعتمد نهضتها على وفرة الموارد الطبيعية بقدر اعتمادها على بناء الإنسان وتعليمه وتأهيله وتنمية مهاراته، حتى أصبح رأس المال البشري أحد أهم عناصر قوتها الاقتصادية والتنموية.
وفي نموذج القطاع الخاص، توقف عند تجربة شركة هواوي الصينية، التي أدركت أن التكنولوجيا مهما تطورت فإن وراءها عقولًا بشرية تصنعها وتطورها، ولذلك أولت اهتمامًا كبيرًا باستقطاب المواهب وتنميتها ورعايتها والاستثمار في البحث والابتكار.
أما المحطة الثالثة فكانت الاستثمار في المواهب الرياضية، مستشهدًا بالتجربة المغربية، وما حققته الرياضة المغربية من حضور وإنجازات نتيجة الاهتمام باكتشاف المواهب وصقلها، وتوفير الأكاديميات والمدربين والمنشآت والبرامج التي تهيئ لها طريق النجاح والوصول إلى المستويات العالمية.
ثم جاءت المحطة الرابعة، الأسرة والفرد، التي حملت النموذج العُماني الذي توقفت عنده في بداية المقال، لتؤكد أن الاستثمار في الإنسان قد يبدأ من داخل أسرة تؤمن بابنها وتحرص على تعليمه وإعداده، لكن ثماره قد تتجاوز الفرد والأسرة لتصل إلى مجتمع ووطن بأكمله.
وهذا النموذج يختصر معنى الاستثمار طويل الأجل في الإنسان؛ فأحيانًا لا تظهر ثمار التعليم والتأهيل وإعداد القيادات في يوم أو عام، وإنما تحتاج إلى سنوات طويلة، ولكن عندما تأتي الثمرة فإن أثرها قد يمتد إلى وطن بأكمله وأجيال متعاقبة.
الإنسان في قلب رؤية عُمان 2040
وإذا كانت محاضرة سعادة السيد سالم البوسعيدي قد أعادت توجيه البوصلة نحو الإنسان، فإنها تلتقي بصورة واضحة مع رؤية عُمان 2040، التي جعلت الإنسان والمجتمع أحد محاورها الرئيسة، ووضعت التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية ضمن أولويات بناء المستقبل.
فالإنسان هو نقطة البداية لأي تحول اقتصادي أو اجتماعي حقيقي. فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي دون إنسان يمتلك المعرفة والمهارة، ولا يمكن بناء قطاع خاص قوي دون كفاءات وقيادات وطنية، ولا يمكن تحقيق التحول الرقمي أو الابتكار أو التنويع الاقتصادي دون الاستثمار الحقيقي في العقول والمواهب.
إننا كثيرًا ما نتحدث عن الاستثمار فنربطه بالمصانع والعقارات والأسهم والمشروعات الكبرى، بينما قد نغفل أحيانًا أن أعظم مشروع استثماري هو الإنسان نفسه.
والاستثمار في الإنسان يبدأ من البيت، ثم المدرسة والجامعة، ويمتد إلى المؤسسة ومكان العمل. وهو مسؤولية مشتركة بين الأسرة والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع؛ فاكتشاف موهبة طفل ورعايتها قد يصنع عالمًا، ومنح شاب فرصة قد يصنع قائدًا، وتأهيل موظف وتمكينه قد يغير مستقبل مؤسسة بأكملها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من محاضرة سعادة السيد سالم البوسعيدي هو تأكيده أن الاستثمار في الإنسان يحتاج إلى قيادة ملهمة.
وهذه العبارة تختصر، في تقديري، فلسفة كاملة في الإدارة والتنمية؛ فالمال وحده لا يصنع الإنسان، والتدريب وحده لا يصنع القائد، والشهادات وحدها لا تصنع المبدع. نحن بحاجة إلى قيادة ترى في الإنسان مشروعًا للمستقبل، وتكتشف قدراته، وتثق به، وتمنحه الفرصة، وتفتح أمامه أبواب التجربة والتعلم والإبداع وتحمل المسؤولية.
والقيادة الملهمة ليست بالضرورة قيادة دولة أو مؤسسة كبرى؛ فقد تكون أبًا أو أمًا يكتشفان موهبة في أحد أبنائهما، أو معلمًا يؤمن بقدرات أحد طلابه، أو مسؤولًا يمنح موظفًا شابًا فرصة لإثبات نفسه، أو مؤسسة تؤمن بأن الإنفاق على تدريب موظفيها وتأهيلهم ليس تكلفة، وإنما استثمار يعود عليها وعلى الوطن.
لقد قدم لنا التاريخ العُماني نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يصنعه الاستثمار في الإنسان، وتقدم لنا رؤية عُمان 2040 اليوم خارطة للمستقبل يكون الإنسان فيها محور التنمية وغايتها.
ولعل الرسالة التي تستحق أن تبقى بعد تلك المحاضرة هي: إذا أردت أن تعرف مستقبل دولة أو مؤسسة أو حتى أسرة، فانظر إلى حجم استثمارها في الإنسان.
فالثروات قد تنضب، والتكنولوجيا تتغير، والمشروعات تتقادم، أما الإنسان الذي نستثمر في علمه وفكره ومهاراته وقيمه، فإنه يستطيع أن يصنع ثروات جديدة، ويبتكر تقنيات جديدة، ويبني مشروعات جديدة، ويقود تحولات جديدة.
وحين توجد قيادة ملهمة تؤمن بالإنسان وتستثمر فيه، فإنها لا تصنع فردًا ناجحًا فحسب، بل تصنع جيلًا.. وقد تصنع مستقبل وطن بأكمله


