د.آمال بوحرب
باحثة وناقدة تونسية -الإمارات العربية المتحدة
غالبًا ما نتصور الكتابة فعلًا يأتي بعد التفكير، كأن الأفكار تكتمل أولًا في الذهن، ثم تأتي الكلمات لتسجّلها وتمنحها شكلًا واضحًا. غير أن الكتابة في جوهرها أعمق من ذلك؛ فهي لا تنقل الفكر فحسب، وإنما تساعده على التشكل والظهور. فكثيرًا ما يبدأ الكاتب جملته وهو يظن أنه يعرف ما يريد قوله، ثم تقوده اللغة إلى معنى آخر، وتكشف له أثناء الكتابة جوانب لم تكن واضحة في البداية ولهذا فإن العلاقة بين الكتابة والتفكير علاقة متبادلة فالتفكير يمنح الكتابة عمقهاوالكتابة تمنح التفكير فرصة لكي يرى نفسه ويتخذ صورة قابلة للفهم، أي أنها فالكتابة ليست طريقًا مستقيمًا يقود إلى نتيجة محددة، وإنما هي رحلة تتخللها الحيرة والمراجعة والبحث. وكلما كانت الكتابة صادقة، ازدادت قدرتها على كشف ما هو خفي في التجربة، وعلى تحويل الإحساس الغامض إلى معنى يمكن تأمله ومشاركته.
ومنذ بدايات الفلسفة ارتبط التفكير بالسؤال عن الكلام والكتابة، وعن الفرق بين الصوت الحي والحرف الذي قد يتحول إلى أثر جامد. ففي محاورة «فيدروس» ينقل أفلاطون عن سقراط تحذيره من الكتابة، لأنها قد تضعف الذاكرة، ولأن النص المكتوب يظل عاجزًا عن الدفاع عن نفسه أو الدخول في حوار حقيقي مع من يقرؤه. كان سقراط يخشى كتابة تسبقها غفلة الفكر، كتابة تبدو مكتملة من الخارج، لكنها تخلو من الحوار الذي يمنح المعنى حياته. فالنص الذي لا ينبع من تفكير عميق قد يتحول إلى كلمات صامتة، لا تسمح بالسؤال ولا تستجيب للمراجعة ولم يكن هذا الموقف رفضًا للكتابة في ذاتها، وإنما كان دعوة إلى أن تظل الكتابة متصلة بالتفكير الحي. فالكلمات تحتاج إلى وعي يحرّكها، وإلى سؤال يفتحها على احتمالات جديدة. وعندما تنفصل الكتابة عن التفكير، تتحول إلى تكرار لما هو سائد، وتفقد قدرتها على المفاجأة والكشف. أما حين تولد من حوار داخلي حقيقي، فإنها تحتفظ بحيويتها، وتظل قابلة للتأويل وإعادة القراءة لأن معناها لا يغلق نفسه على إجابة واحدة.
وفي التراث العربي نجد فكرة قريبة من ذلك عند الجاحظ، حين رأى أن المعاني “مطروحة في الطريق “وأن التفاوت بين الكتّاب يكمن في القدرة على السبك والصياغة وحسن التأليف. فالمعنى وحده لا يصنع كتابة متميزة، لأن الأفكار قد تكون مشتركة بين الناس، لكن الكاتب يمنحها فرادتها من خلال طريقته في النظر والتعبير. وقد يبدو الموضوع عاديًا في ذاته، غير أن زاوية النظر إليه قادرة على تحويله إلى تجربة جديدة. فالأسلوب عند الجاحظ ليس لباسًا خارجيًا للفكرة، وإنما هو الطريقة التي تتشكل بها الفكرة وتكتسب حضورها في اللغة.
ومن هنا تصبح الكتابة رؤية قبل أن تكون قولًا. فالكاتب لا يقدّم الأشياء كما توجد فحسب، وإنما يعيد ترتيبها وفق حساسيته وتجربته ووعيه بالعالم. وقد يكتب اثنان عن الموضوع نفسه، لكن الفارق بينهما يظهر في طبيعة الأسئلة التي يطرحانها، وفي الطريقة التي ينظر بها كل واحد منهما إلى الإنسان والواقع واللغة. لان الكتابة الجيدة تقوم على القدرة على رؤية المألوف بعين جديدة، وعلى اكتشاف ما يختبئ خلف التفاصيل اليومية من دلالات إنسانية وفكرية.
وفي العصر الحديث أعاد رولان بارت طرح سؤال الكتابة من زاوية مختلفة، فجعلها مرتبطة بموقف الكاتب من اللغة ومن العالم. ففي كتابه “درجة الصفر في الكتابة”يميز بين كتابة تكتفي بإعادة إنتاج اللغة المألوفة، وكتابة أخرى تضع اللغة موضع سؤال، وتدفعها إلى الخروج من حيادها الظاهري. فالكاتب لا يختار كلماته اعتباطًا كل كلمة تحمل أثرًا، وكل تركيب يكشف موقفًا، وكل نبرة تشير إلى علاقة معينة بالعالم لذلك يصبح التفكير في الكتابة تفكيرًا في اللغة نفسها: لماذا هذه الكلمة؟ ولماذا هذه العبارة؟ ولماذا اختار الكاتب هذا الإيقاع دون غيره؟
فالكاتب كما يراه يكون حرًا لأنه يستطيع أن يمنح الأفكار لغة خاصة، وأن يخرج بها من القوالب التي تفرضها العادة والخطاب السائد. فالحرية الفكرية تحتاج إلى شكل لغوي يحميها ويجعلها قابلة للحضور والتأثير ،فقد يمتلك الإنسان إحساسًا عميقًا بالظلم أو الاغتراب أو الرغبة في التغيير، لكنه لا يستطيع أن يجعل هذه التجربة ذات أثر ما لم يمنحها صياغة واضحة ومختلفة. فالكتابة لا تكتفي بالتعبير عن الحرية، وإنما تمارسها أيضًا، لأنها تتيح للذات أن تخرج من الصمت، وأن تعيد تعريف علاقتها باللغة والواقع. وكل كتابة تقاوم التكرار، وتبحث عن صوتها الخاص، هي محاولة لاستعادة جزء من حرية الإنسان.
أما هايدغر فيربط بين التفكير والشعر من خلال مفهوم الإنصات إلى الوجود فالكتابة العميقة تقوم على القدرة على الإصغاء الإصغاء إلى ما تقوله الأشياء، وإلى ما تخفيه، وإلى الصمت الذي يحيط بها. ولهذا فإن الكاتب يحتاج إلى التمهل وإلى التردد أمام الكلمة، وإلى الشك في المعنى الأول الذي يبدو سهلًا ومتاحًا. فاللغة لا تمنح أسرارها لمن يتعامل معها بعجلة، وإنما تنفتح أمام من يصغي إليها ويترك لها مجالًا لكي تقول ما يتجاوز القصد المباشر فحين نكتب عن البيت، أو الموت، أو الحب، أو الوطن، فإننا لا نستعيد معاني جاهزة، وإنما نمنح هذه الأشياء حضورًا جديدًا داخل اللغة وقد تفتح كلمة واحدة طريقًا إلى تجربة كاملة، وقد تكشف صورة بسيطة عن قلق وجودي عميق. من هنا تكتسب الكتابة طابعها الأنطولوجي، لأنها لا تصف الوجود من الخارج فقط، بل تساهم في إظهاره والكشف عن وجوهه المستترة.
وبهذا المعنى، فإن الكتابة ليست أثرًا يأتي بعد التفكير وإنما هي الطريق الذي يعبره الفكر لكي يتعرف إلى نفسه
محمود درويش وأسئلة الكتابة
تتحول الكتابة الشعرية أحيانًا إلى مساحةٍ للتفكير العميق في الوجود والإنسان والزمن فتصبح القصيدة محاولة لاكتشاف المعنى وسط تعقيدات الحياة وأسئلتها المفتوحة. لتكون الكتابة فعلًا تأمليًا يكشف ما تخفيه التجربة الإنسانية من قلقٍ وأملٍ وفقد، ويمنح الأشياء اليومية البسيطة أبعادًا تتجاوز حضورها العابر وفي هذا الأفق تتجلى تجربة محمود درويش بوصفها واحدة من أكثر التجارب الشعرية العربية اقترابًا من فكرة الكتابة باعتبارها تفكيرًا مستمرًا في الإنسان والوطن والمنفى والحياة نفسها.
تنهض الحركة الفكرية في قصيدة محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” من عبارة تبدو في ظاهرها تقريرية ومباشرة، غير أنها سرعان ما تتسع لتحتضن تفاصيل الوجود الإنساني بأكمله. فالحياة عند درويش تتجلى في الأشياء الصغيرة التي تمنح العالم معناه الحميم؛ في العشب، ورائحة الخبز، ودفء الأم، وضوء البيوت، واتساع النجوم. ومن خلال هذا الاحتفاء بالتفاصيل اليومية يعيد الشاعر بناء قيمة الوجود، كأن الحياة تُستعاد عبر ما يبدو عابرًا وهامشيًا. وحين يكتب درويش، فإنه يحوّل اللغة إلى رؤية فلسفية تواجه الموت والاحتلال والفقد بإعادة اكتشاف عناصر الحياة ذاتها لذلك لا تنبع قوة القصيدة من إنكار الألم أو تجاوز المأساة، وإنما من البحث العميق عن إمكانية الحياة داخل شروط القسوة والعتمة، فتغدو الكتابة فعل مقاومة للعدم
أما في قصيدة “لماذا تركت الحصان وحيدًا” فإن التفكير في القضية الفلسطينية يتخذ مسارًا أكثر حميمية وتأملًا إذ يعود الشاعر إلى الطفولة والذاكرة وصورة الأب، ليعيد تشكيل الماضي عبر أسئلة الذات وارتجافات الذاكرة. فالحصان في القصيدة يتحول إلى رمز كثيف تتداخل فيه دلالات الرحيل والحماية والفقد واستمرار الأثر. ومن خلال العلاقة بين الابن والأب تتجاوز التجربة حدودها الفردية لتصبح تعبيرًا عن ذاكرة جماعية، ويتحوّل السؤال العائلي البسيط إلى سؤال وجودي عن الوطن والمنفى والاقتلاع وهذا هو الهدف من الكتابة أساسا الاحتواء والانتماء وجعل الرمز يخدم المعنى حيث تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان فهو يكتب في القضية لكي يعيد التفكير فيها، ويكتب في الوطن لكي يختبر معناه المتحوّل، ويكتب في المنفى ليكشف أثره العميق في اللغة والهوية والذاكرة.
الكتابة بين النقد والتفكيك
يبدو أن التفكير هو البداية الخفية لكل كتابة حقيقية فالنص الذي لا يسبقه تفكير عميق يظل مجرد تراكم لغوي، بينما تتحول الكتابة الواعية إلى تجربة وجودية ومعرفية قادرة على إعادة تشكيل العالم والذات معًا.
وفي هذا السياق كتبت الدكتورة التونسية مفيدة الجلاصي عن النقد بوصفه أحد أكثر مستويات الكتابة تعقيدًا وثراءً، إذ تنظر إليه باعتباره سلطة معرفية وجمالية تتحرك بين التفكيك والتركيب والتحليل وإعادة البناء. فالنقد عندها فعل تأويلي عميق يسعى إلى الكشف عن الطبقات الخفية للمعنى، وإلى مساءلة ما يختبئ خلف اللغة من إشارات ودلالات وأسئلة مؤجلة. ولهذا يصبح التفكير شرطًا أساسيًا لولادة الكتابة النقدية، لأن الناقد الحقيقي يحاول النفاذ إلى ما وراءه إلى المساحات الصامتة فيه، وإلى ما يقوله وما يعجز عن قوله في آنٍ واحد.
وفي حديثها مع موقع “الصحافة اليوم”تؤكد مفيدة الجلاصي أن النقد “سلطة تفكك النص وتعيد صياغته” وهي عبارة تكشف عن فهم عميق لطبيعة الكتابة النقدية بوصفها كتابة ثانية للنص. فالناقد، وفق هذا التصوريدخل في حوار خلاق مع النص، يعيد من خلاله ترتيب المعاني وكشف العلاقات الداخلية التي تشكل بنيته العميقة ليتحول إلى فعل إبداعي موازٍ له، لأن عملية التفكيك لا تهدف إلى الهدم بقدر ما تسعى إلى إعادة بناء المعنى في صورة أكثر انفتاحًا ووعيًا.
ومن هذا المنطلق ترى الجلاصي أن النصوص الكبرى لا تُقرأ مرة واحدة، لأنها تحمل دائمًا طبقات متراكبة من المعاني والدلالات. فكل قراءة حقيقية هي محاولة جديدة للكشف، وكل كتابة نقدية جادة هي ولادة أخرى للنص. ولذلك يحتاج النقد إلى تأمل طويل في السياق، وفي الخلفيات الفكرية والثقافية، وفي الأسئلة التي يثيرها النص أو يؤجل الإجابة عنها. فالكلمات تحمل آثار الزمن والتاريخ والإنسان، وتحمل كذلك ما يختبئ في الوعي الجمعي من مخاوف وأحلام ورغبات.
كما تؤكد مفيدة الجلاصي أن الكتابة، سواء أكانت إبداعية أم نقدية، تستند إلى وعي عميق بالذات الكاتبة. فالكاتب الحقيقي هو الذي يدرك لماذا يكتب، ولماذا اختار هذا الموضوع دون غيره ولماذا لجأ إلى هذا الأسلوب تحديدًا وهذا الوعي لا يتشكل بصورة عفوية، وإنما يولد من تفكير طويل في الدوافع والغايات والرسالة التي تحملها الكتابة. فالنصوص العظيمة تنبع من تجربة داخلية ومن رؤية تتجاوز الرغبة العابرة في التعبير.
أما الكتابة التي تأتي بلا وعي أو تأمل، فإنها تفقد قدرتها على البقاء، لأنها تتحول إلى ممارسة شكلية خالية من الضرورة الفكرية والوجدانية. ولهذا يمكن القول إن الكاتب الذي يكتب لمجرد الكتابة يشبه من يرمي سهامًا في العتمة؛ لا يعرف أين تستقر، ولا أي أثر يمكن أن تتركه. بينما تتحول الكتابة الواعية إلى فعل مسؤولية، وإلى محاولة دائمة لفهم الذات والعالم وإعادة صياغتهما باللغة.
وفي مقالتها النقدية «خصائص المنهج النقدي عند طه حسين من خلال حديث الأربعاء” المنشورة في مدونة “مملكة التأويل ” سنة 2020، تكشف مفيدة الجلاصي عن هذا البعد الوجودي والفكري للكتابة، حين تشير إلى أن طه حسين كان ينظر إلى الكتابة باعتبارها موقفًا من العالم وأداة للدفاع عن الإنسان وقيم التنوير تقول: “هكذا تغدو الكتابة عند طه حسين سلاحًا يمتشقه للدفاع عن قيم الحرية والعقلانية والحداثة، فهي بالإضافة إلى أنها إبداع فني وبوح ذاتي، تكتسب صفة النضال الجسور ضد قوى التخلف والكبت والظلام”
ويكشف هذا التصور عن إيمان عميق بأن الكتابة فعل مقاومة ضد العتمة والجهل والانغلاق. فالكاتب الحقيقي يكتب ليواجه هشاشة العالم بالكلمات، وليمنح الإنسان قدرة جديدة على الفهم والتأمل ومن هنا تبدو الكتابة شكلًا من أشكال الولادة المستمرة ولادة للوعي، ولادة للمعنى، وولادة للإنسان نفسه داخل اللغة.
مصطفى عطية بين الكتابة وتشكيل المعنى
في دراسة الدكتور “مصطفى عطية جمعة الناقد المصري “لرولان بارت “بين أن جوهر مشروعه النقدي يقوم على الحرية والتحرر من النمطية فبارت لا يتعامل مع النص بوصفه بنية مغلقة ولكن يراه فضاءً مفتوحًا لتعدد الدلالات، وانفتاح اللغة على المجتمع والثقافة والوجود الإنساني. كما يبرز عطية انتقال بارت من التحليل البنيوي الشكلي إلى السيميائيات، حيث يتجاوز النص المكتوب إلى الصورة والخطاب والممارسات اليومية، كاشفًا ما تختزنه من أساطير وأيديولوجي
وإن يتوافق “مصطفى عطية جمعة” مع رولان بارت في جوانب أساسية، ولا سيما في التأكيد على حرية الكتابة وانفتاح النص وتعدد دلالاته، وفي منح القارئ دورًا فاعلًا في إنتاج المعنى بعيدًا عن سلطة المؤلف. غير أن هذا التوافق لا يعني تبنّي أفكار بارت بصورة مطلقة؛ فعطية يعيد توظيفها ضمن رؤية نقدية عربية تهتم بالبنية والأسلوب والسياق الثقافي، وقد يتحفظ عن بعض النتائج الجذرية لفكرة «موت المؤلف» أو عن إقصاء المرجعيات والقيم من عملية التأويل. لذلك يمكن القول إنه يتحاور مع بارت ويستفيد منه أكثر مما يعارضه، مع احتفاظه بمسافة نقدية واستقلال في المنهج
يقول الدكتور “مصطفى عطية جمعة” “أكتب لأنّ الحياة أكبر من مجرد حركة وانتقال في مراحل العمر إلى النهاية المحتومة ( الموت ) ثم النسيان إنني أكتب لأن الكتابة ضد النسيان، لقد عرفنا ما عرفنا عن الحياة البدائية من خلال ما تركه الإنسان من كتابات على جدران الكهوف ومناطق تجواله وعبوره. أكتب لأترك الأثر، فالرّجل هو الذي يترك أثرًا، أكتبُ وأكابدُ الكتابة لأن الكلمةَ رسالة وولادة”وهذا القول يكشف عن وعي عميق بأن الكتابة فعل وجودي، يقاوم النسيان، تصبح الدلالات شرطًا لامتلائها الرمزي، ذلك أن الإنسان، في وعيه الحاد بفنائه، يسعى عبر الكتابة إلى مقاومة النسيان بوصفه أولا فقدانًا للذاكرة وباعتباره ثانيا محوًا للمعنى، ومن ثم يغدو “الأثر” شكلًا من أشكال الحضور المؤجل الذي يضمن استمرارية الكينونة في غياب صاحبها، حيث تتداخل هنا أبعاد فلسفية قريبة من مفهوم والأثرواستدعاء الكتابة الأولى على جدران الكهوف يؤكد أن الوعي الإنساني بذاته كان منذ البدء مرتبطًا بالرغبة في التثبيت والنجاة من العدم، وفي هذا السياق تكتسب المعاناة التي تصاحب فعل الكتابة دلالتها بوصفها مخاضًا حقيقيًا، إذ لا تولد الكلمة إلا عبر مكابدة تجعلها قادرة على حمل رسالتها، لا باعتبارها خطابًا مباشرًا، ولكنه نداء مفتوح إلى قارئ مؤجل، وهكذا تتجلى الكتابة كفعل يعلّق الإنسان بين الحياة والموت، يمنحه إمكانية العبور من زمنه المحدود إلى أفق تأويلي مستمر في المعنى.
يتقاطع هذا التصور مع ما نلمحه عند “هيجل” بقوله في “فينومينولوجيا الروح “إن الوعي بالذات لا يبلغ إشباعه إلا في وعي ذاتٍ آخر”فذ “حيث تتجلّى الذّات عبر ما تنتجه في العالم من آثار تمنحها حضورًا قابلًا للإدراك والاعتراف، فالإنسان يخرج من حدوده الفردية حين يسكب وعيه في شكل موضوعي يدخل في حركة الروح ويصير جزءًا من سيرورتها التاريخية، ومن هنا تكتسب الكتابة معناها العميق بوصفها فعل تجلٍّ يرفع التجربة الخاصة إلى أفق كلي، ويمنحها قدرة على الاستمرار داخل الذاكرة الإنسانية، فتغدو الكلمة أثرًا حيًا يندمج في نسيج الوعي الجمعي ويؤسس لمعنى يتجاوز لحظته الزمنية، كما شاهدنا في رؤية هيجل عن تحقق الذات عبر موضوعيتها وانخراطها في مسار الروح.
“خالد أحمد اليوسف” والكتابة كمنهج وجودي
في تجربة الكاتب السعودي خالد أحمد اليوسف، يتجلّى السؤال بوصفه العتبة الأولى للكتابة؛ إذ يسبق فعلَ الكتابة تأمّلٌ عميق في ماهية ما يُكتب، وغاياته، وكيفيات تشكّله. وفي روايته “سيرة حمى” تتبدّى فلسفة الوجود والحياة والموت خيطًا ناظمًا للسرد، بحيث يغدو النص تفكيرًا في الكينونة بقدر ما هو حكاية. أمّا في كتابه «أسئلة الثقافة، أسئلة الأدب، أسئلة الأدباء»، فإن السؤال يتحوّل إلى منهجٍ ومدخلٍ إلى إنتاج المعنى، بما يؤكد أن التفكير السابق للكتابة هو جوهر العملية الإبداعية ذاتها.
يمكن النظر إلى تجربة خالد أحمد اليوسف بوصفها مشروعًا سرديًا يتأسس على مركزية السؤال بوصفه أفقًا معرفيًا وجماليًا للكتابة يتجاوز كونه مجرد أداة استهلالية أو تقنية خطابية. فاليوسف يكتب انطلاقًا من قلق معرفي وأنطولوجي يجعل النص فضاءً للمساءلة المستمرة ومن ثمّ، فإن الكتابة لديه تنبع من منطقة الالتباس والشك، لا من سلطة الأجوبة النهائية، الأمر الذي يمنح نصوصه انفتاحًا دلاليًا يجعلها قابلة لإعادة القراءة والتأويل بصورة دائمة.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في مقاله “سيرتي مع القصة القصيرة وكتابتها” المنشور في جريدة الجزيرة بتاريخ 24 أكتوبر 2015، حيث يقول: «أكتب لأن الكتابة هي فعل وجود، هي مقاومة للنسيان، هي ولادة للمعنى… لأن السرد تفكير في الوجود”تكشف هذه المعادلة عن وعي عميق بوظيفة الكتابة بوصفها ممارسة وجودية تتجاوز حدود الحكي إلى مساءلة الكينونة ذاتها لأنها إعادة إنتاج له عبر الوعي واللغة، وليست نقلًا للتجربة بل إعادة تشكيلها ضمن أفق تأويلي مفتوح.
ومن هذا المنطلق، تتأسس البنية السردية في أعماله الروائية على تفاعل معقد بين الرؤية الفكرية والبناء الفني. ففي روايات مثل «وديان الإبريزي» و«نساء البخور» و«سيرة حمى»، يوظف اليوسف تقنيات سردية متعددة، كتنويع مستويات الرؤية، وتعدد الأصوات، والانتقال بين الراوي العليم والرؤية المصاحبة، بما يفضي إلى بناء عالم روائي تتداخل فيه الذوات والخطابات والمرجعيات الثقافية. غير أن هذه التقنيات تضطلع بدور نقدي يكشف البنى العميقة للواقع الاجتماعي والديني، ويعرّي آليات السلطة الرمزية التي تتحكم في العلاقات الإنسانية داخل المجتمع.
كما تتسم نصوصه القصصية بلغة ذات كثافة شعرية عالية، تعتمد الاقتصاد اللغوي والتوتر الدلالي، فضلًا عن حضور الزمن النفسي بوصفه بديلًا عن الزمن الخطي التقليدي. ولذلك يجد القارئ نفسه داخل بنية سردية مأزومة، تتحول فيها اللغة إلى فضاء للصراع بين الرغبة في القول واستحالة القبض الكامل على المعنى. ومن هنا، فإن السرد عند اليوسف يتحول إلى أداة معرفية لتفكيك الواقع وإعادة تأويله.
وفي مقاله «الكتابة.. وتحولات التفكير» المنشور في مجلة النبأ بتاريخ 30 يناير 2023، يؤكد اليوسف أن «الكتابة بحاجة إلى أجود أنواع حالات التفكير»، مشيرًا إلى أن الكتابة تكشف فكر الكاتب وثقافته وأسلوبه. ويعكس هذا التصور إيمانًا عميقًا بالعلاقة العضوية بين الكتابة والتفكير؛ إذ لا يمكن النظر إلى النص بوصفه نتاجًا لغويًا منفصلًا عن البنية الذهنية والمعرفية التي تنتجه.
لذلك يذهب اليوسف إلى أن «مرحلة ما قبل الكتابة» تمثل فعلًا ذهنيًا مركبًا يقوم على تنظيم الأفكار وتوجيهها قبل تشكلها النصي. وتبعًا لذلك، يغدو التفكير شرطًا تأسيسيًا للكتابة لا مرحلة سابقة عليها فحسب. ومن هنا يمكن فهم موقفه الضمني من سهولة الكتابة؛ إذ إن النص الذي يُكتب بلا مقاومة داخلية أو قلق معرفي يفقد — في تصوره — كثافته الجمالية وفرادته التعبيرية فالكتابة الحقيقية هي تلك التي تنبثق من توتر المعنى.
جودة النص مرآة لجودة التفكير
في نهاية هذا المسار نصل إلى حقيقة واضحة جودة النص ترتبط بجودة التفكير الذي أنجبه لذلك يكون النص الضعيف انعكاسًا لرؤية محدودة، بينما يولد النص الجيد من عقل يرى ما يغيب عن الآخرين.
ومع ذلك، فإن التفكير العميق يحتاج إلى أسلوب يليق به، لغة تحمل الفكرة وتكشفها للقارئ بوضوح وقوة وعمق فالأسلوب الحقيقي يقود القارئ إلى المعنى دون تعقيد أو استعراض، ويجعل اللغة جسرًا للفكرة. وفي هذا المعنى يقول سعيد يقطين: “الكلمة وعاء المعنى، فإن رقّ المعنى رقّ الوعاء، وإن غلظ المعنى غلظ الوعاء، فلا تحكم على الوعاء قبل أن تعرف ما يحويه”
علينا أن نفكر في القارئ لأننا نخاطب عقولًا تختلف في التوازن والرؤية وطرائق الاستيعاب؛ فما نراه جميلًا قد يراه الآخر قبيحًا، غير أن الفكرة السليمة تحتفظ بصدقها في جميع حالاتها، حتى عندما تولد من رحم الألم لذلك، حين نكتب، نحاول أن نصون الجمال بالكلمات، وأن نواجه القبح بالوعي، لأن الوعي هو القوة التي تدفع الإنسان إلى الإبداع، وتمنح الكتابة معناها وضرورتها الإنسانية.ولهذا يبدو الألم، في كثير من الأحيان، منبعًا خفيًا للجمال. يقول الجواهري: “لم يبقَ عنديَ ما يبتزّهُ الألمُ / حسبي من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ “فالألم حين يتراكم عبر الزمن قد يُنهك القدرة على الإحساس، لكنّ الكتابة قادرة على أن تمنحه هيئةً أخرى؛ تُحوّله من وجعٍ خام إلى معنى، ومن معاناةٍ صامتة إلى أثرٍ إبداعي ومن هنا تتجلّى المفارقة الإنسانية العميقة: فالجمال كثيرًا ما يولد من قلب العذاب، وكل ما يحتاجه الأمر كاتبٌ يكتب بصدق، وقارئٌ يقرأ بصدق.
المراجع
-1أفلاطون فيدروس ترجمة إمام عبد الفتاح إمام القاهرة
.-2عمرو بن بحر الجاحظ البيان والتبيين تحقيق عبد السلام محمد هارون القاهرة
-3طه حسين حديث الأربعاء القاهرة مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
4-محمد مهدي الجواهري ديوان الجواهري بيروت
5-محمود درويش جدارية بيروت
6- محمود درويش لماذا تركت الحصان وحيدًا بيروت:
-7سعيد يقطين انفتاح النص الروائي: النص والسياق الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي 1989.
-8مفيدة الجلاصي «خصائص المنهج النقدي عند طه حسين من خلال حديث الأربعاء» مدونة مملكة التأويل 2020.
-9.مفيدة الجلاصي حوار منشور في موقع الصحافة اليوم يُستكمل عنوان الحوار وتاريخ النشر والرابط الإلكتروني.
-10.مصطفى عطية جمعة «آفاق السيميولوجيا عند رولان بارت» مجلة أدب ونقد العدد 383 نوفمبر 2019 ص 59–63.
-11مصطفى عطية جمعة «رولان بارت: المسيرة والانشغالات المعرفية والمآلات» مجلة أدب ونقد العدد 374 ديسمبر 2018 ص 71–75.
-12مصطفى عطية جمعة «رولان بارت وما بعد البنيوية» ضمن الكتاب الجماعي رولان بارت المنتدى العربي للتفكيك 2017.
-13مصطفى عطية جمعة «الحرية والكتابة والأسلوب في فكر رولان بارت النقدي» موقع الكتابة 4 يناير 2019.
-14خالد أحمد اليوسف سيرة حمى رواية تُستكمل بيانات دار النشر وسنة الإصدار وفق الطبعة المعتمدة.
-15.خالد أحمد اليوسف «سيرتي مع القصة القصيرة وكتابتها» جريدة الجزيرة 24 أكتوبر 2015.
-16خالد أحمد اليوسف «الكتابة وتحولات التفكير» مجلة النبأ 30 يناير 2023.


