ذكرياتٌ من زمن البدايات…

نشرت :

قبل أن تتشكل ملامح الإعلام في سلطنة عُمان، وقبل أن يصبح الخبر يصل إلى الناس بضغطة زر كان هناك رجالٌ حملوا رسالة الكلمة في ظروفٍ لم تكن تعرف وفرة الإمكانات لكنّها عرفت وفرة الإخلاص
كان سالم بن محمد عبدالرب اليافعي “المحاسب” رحمه الله، واحدًا من أولئك الرواد الذين ارتبطت أسماؤهم بالبدايات الأولى للإعلام في محافظة ظفار مطلع السبعينيات
كثيرًا ما كان يحدثنا عن تلك الأيام بشغفٍ يملؤه الامتنان، لا ليتحدث عن أمجادٍ شخصية، ولا ليستعيد الماضي على سبيل الافتخار، وإنما ليغرس فينا درسًا ظل يردده بسيرته قبل كلماته: أن الإنجازات الكبرى لا تبدأ كاملة، بل تولد من بداياتٍ متواضعة، وأن الصبر والمثابرة والإتقان والإخلاص هي التي تصنع الفارق.
في مبنى متواضع من الصنادق الخشبية بمدينة صلالة، وبين أجهزة الراديو التي كانت نافذةً على العالم، كان يتابع نشرات الأخبار عبر الإذاعات الخارجية، يحررها بعناية، ثم يقدّمها ويلقيها بصوته الوطني عبر أثير إذاعة سلطنة عُمان في مرحلةٍ كان نقل الخبر فيها مسؤولية وطنية تتطلب الدقة والأمانة والوعي قبل أي شيء آخر.
ولم يقتصر عطاؤه على أداء رسالته الإعلامية، بل امتد إلى الإسهام في إعداد وتدريب عددٍ من الإعلاميين العُمانيين الذين واصلوا مسيرتهم لاحقًا، وتقلّد بعضهم مواقع قيادية، ليبقى أثره حاضرًا في أجيالٍ حملت الرسالة من بعده.
ثم انتقل إلى العمل في بلدية ظفار، حيث واصل خدمة وطنه في عددٍ من المسؤوليات، مؤديًا واجبه بالخلق نفسه الذي عرفه الجميع؛ هدوءًا في الطبع، وتواضعًا في التعامل، وإخلاصًا في الأداء، حتى وافاه الأجل.
واليوم، كلما استعدنا ملامح تلك المرحلة، أدركنا أن تاريخ المؤسسات لا يُصنع بالقرارات وحدها، بل برجالٍ آمنوا برسالتهم، وأدوا واجبهم بإخلاص، ثم مضوا في هدوء، تاركين وراءهم أثرًا يرويه الناس قبل أن تكتبه الوثائق.
رحم الله سالم بن محمد عبدالرب اليافعي “المحاسب” رحمةً واسعة، وجزاه عن وطنه وأهله خير الجزاء. لقد عاش وفيًّا لرسالته، ورحل تاركًا سيرةً عطرة، وأثرًا كريمًا سيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، وفي تاريخ مرحلةٍ كان من رجالها الأوائل.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img