من يستهلك المستقبل… ومن يصنعه؟

نشرت :

ما وراء المشهد

د. إسماعيل جابر

أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم تدريب

من يستهلك المستقبل… ومن يصنعه؟

في عمود« هل ما زلنا نملك وقتنا؟ » كان السؤال عن ذلك الوقت الذي يتسلل من بين أيدينا دون أن نشعر. ثم جاء« أبناؤنا والخوارزميات.. من يربي الآخر؟ » ليوسع الدائرة : إذا كان الوقت ثمينًا، فمن يملك انتباهنا؟ ومن يشاركنا في تشكيل وعي أبنائنا؟

لكن ثمة سؤالاً ثالثاً يفرض نفسه بقوة : ماذا سنفعل بهذا الوقت والانتباه حين يتغير العالم نفسه من حولنا؟ .

فمنذ كتاباتي  للأعمدة السابقة  لم تعد القضية  عندي قضية شاشة نحملها في أيدينا، ولا خوارزمية تظهر أمام أعين أطفالنا ، وإنما  قضية عالم جديد يتشكل بسرعة؛ عالم تتغير فيه المعرفة، والعمل، والمهارات، وحتى مفهوم الإنسان المنتج فهل نحن مستعدين لذلك واعداد ابناؤنا له ؟   .

فالذكاء الاصطناعي أصبح  ليس مجرد أداة جديدة تضاف إلى أدواتنا. بل  دخل إلى مجالات كانت حتى وقت قريب مرتبطة بالإنسان وحده؛  فاصبح يكتب، ويحلل، ويترجم، ويصمم، ويبحث، ويساعد في اتخاذ القرار .

ولا أظن أن السؤال الصحيح هو: هل ستأخذ الآلة وظائف البشر؟

فالتاريخ يخبرنا أن التحولات التقنية لا تلغي العمل فقط، وإنما تغير شكله، وتخلق أعمالاً جديدة كما تنهي أعمالاً قديمة .

فالسؤال الأخطر هو : هل سيتغير الإنسان بالسرعة التي يتغير بها العالم؟

هذه الفكرة ترددت في عدد من الكتب التي تناولت مستقبل الاقتصاد والمجتمع، من «فخ العولمة» إلى «21 درساً للقرن الحادي والعشرين» و«عصر الآلة الثاني »  .

وعلى الرغم من اختلاف  هذه الكتب في رؤيتها وتقديراتها لهذا الامر  ، لكنها تضعنا أمام قضية واحدة يجب الانتباه لها  وهي  : لم يعد امتلاك المعرفة وحده كافياً، بل أصبح السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل بهذه المعرفة؟

وهنا لابد من الإشارة  إلي الدول الإسلامية   التي  تعيش في عالم تستهلك فيه كثيراً مما ينتجه الآخرون : التقنية، والمنصات، والبرمجيات، والمحتوى، وحتى جزءًا كبيراً  من المعرفة التي نستخدمها في فهم عالمنا .

ولا مشكلة في أن نستهلك؛ فكل حضارة تتبادل المعرفة والخبرات مع غيرها .

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستهلاك ثقافة، والإنتاج استثناءً

فليس امتلاك أحدث هاتف دليلاً على امتلاك التكنولوجيا، وليس استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دليلاً على امتلاك المعرفة .

الفرق الحقيقي هو:  ماذا أضفت أنت؟

وهنا تصبح القضية قضية تربية وتعليم قبل أن تكون قضية تقنية

 وفي ظل هذه التطورات المتسارعة  أصبح : لا يكفي أن نعلم أبناءنا كيف يستخدمون الأدوات الجديدة.  وانما يجب أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يسألون، وكيف يتحققون، وكيف يبدعون، وكيف يحولون المعرفة إلى عمل وقيمة .

فالوظائف التي سيعمل بها أبناؤنا غداً قد لا تشبه وظائفنا اليوم، وبعض المهن التي نعرفها ربما تتغير أو تتراجع، وقد تظهر مهن لا نعرف أسماءها حتى  .

و اعتقد أن اعظم  شي يمكن أن نعد له ابناؤنا  من اليوم ومستقبلاً  هو : أن يكونوا قادرين على التعلم حين تتغير الأشياء .

وهذا، في رأيي، أهم من أن نحاول التنبؤ بكل وظيفة ستبقى أو تختفي

لأنه لا نستطيع أن نوقف التحول القادم، ولا إلى أين ستصل التقنية،

لكن : يمكننا أن نقرر موقعنا منها .

وفي ختام  هذه الاعمدة  : هل  نريد جيلاً ينتظر ما ينتجه الآخرون ليستهلكه؟

أم جيلاً  يستطيع أن يفهم، ويبتكر، ويشارك، وينتج؟

لقد بدأنا بالسؤال عن الوقت، ثم وصلنا إلى الانتباه، وربما يقودنا الطريق الآن : إلى السؤال الأوسع

ماذا نصنع بما نملك؟ فالمستقبل لا يحتاج إلى مزيد من المستهلكين فقط

بل يحتاج إلى من يصنعون شيئاً  يستحق أن يستهلكه الآخرون .

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img