​الوقاية من الطبقية: رهان الاستقرار ومقصد المنهاج التشريعي

نشرت :

عبدالله بن أحمد عبدالله بوذار

​(قراءة في تجليات خطبة الجمعة)

​مقدمة: البعد الاستراتيجي لرسالة خطبة الجمعة

​تُشكّل خطبة الجمعة نافذة إيمانية ووطنية تتجاوز الدعوة التقليدية للإحسان المادي لتقف عند قضية استراتيجية مفصلية: الحذر الشديد من نشوء الطبقية. فاستقرار الأوطان لا يُقاس بالبناء المادي وحدَه، بل بمدى قدرتها على صون العدالة الاجتماعية، وردم الفوارق المعيشية، وتكريس التكافل الاجتماعي كجدار حماية يُحصّن الوطن ويُرسّخ لدى المواطن شعوراً أصيلاً بالأمان والانتماء المتساوي.

​1. الرصيد الإسلامي والموروث العُماني: التكافل الوطني كرافد أصيل وفاعل (كان ولا يزال)

​أرسى الإسلام منهاجاً جعل المساواة وإلغاء الطبقية ركناً أصيلاً؛ قرر وحدة البشرية بلا تفاضل إلا بالتقوى، ومأسس التكافل عبر الزكاة والصدقات لضمان سريان المال وعدم احتكاره ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾.
​وقد تجسّد هذا المنهاج في العمق العُماني ليكون التكافل الاجتماعي الوطني هو الرافد الأساسي الذي يكفل المحتاج، ويسد الثغرات، ويجبر الكسر في مختلف الظروف والأحوال؛ بصفته نهجاً أصيلاً كان ولا يزال حياً في وجدان المجتمع وممارساته.
​ويتجلى هذا الامتداد عبر آليات مجتمعية أصيلة تُذوب الفوارق؛ فجاءت “السبلة العُمانية” كرمز حضاري يتساوى فيه الجميع وتُصان فيه الكرامة. كما تتجسد في محافظة ظفار أعراف “الشَّتَرْ والمَغْبُور” كأنموذج تكافلي حيّ ومستمر؛ يُوجه “المَغْبُور” لتخفيف أعباء الزواج عن الشباب، بينما يختص “الشَّتَرْ” بالوقوف المباشر والتآزر في الأزمات والنوازل الطارئة (كالديات، الحوادث، والجائحات) لجبر كسر المكروب وإعانته. إن هذا السَنَع الأصيل—المقترن بثقافة التعافف والوصول للمحتاج في بيته—هو بمثابة جدار حماية يمنع تسلل الطبقية؛ وهو أمانة في أعناق أبناء المجتمع لصونه ورعايته من أي شكليات دخيلة، حمايةً لكرامة الفرد وتماسك الوطن.

​2. مخاطر التجسيد الطبقي: أبعاد أمنية واقتصادية حاسمة

​إن التحذير من الطبقية وقايةٌ من مساوئ تُهدد الأمن الاجتماعي والوطني؛ فإلى جانب تآكل التراحم وانكسار الكرامة، تكمن الخطورة الأكبر في ولادة شعور انسداد الأفق لدى النشء والشباب. فحين يفقد الشاب الأمل في تكافؤ الفرص والتمكين، تتولد لديه حالة من الغربة واليأس تجعله بيئة خصبة لسلوكيات تمس بالسكينة العامة والاستقرار المحلي. كما أن المعالجات البعدية لهذه الظواهر الأمنية تستنزف خزينة الدولة وميزانيتها في معالجة الأعراض والنتائج، بينما الأجدر والأقل كلفة هو الوقاية منها عبر العدالة وتكافؤ الفرص منذ البداية، حمايةً لثقة المواطن بالمنظومة الوطنية.

​3. حوكمة الموارد والترجمة التنفيذية: كفالة الحقوق وترسيخ “منطقة العدالة”

​يكتمل بنيان الوقاية عندما تتحول المقاصد التشريعية إلى سياسات وطنية حازمة؛ عبر تفعيل المشاركة الشورية والبلدية للرقابة على توزيع الموارد، وتمكين الأذرع التكافلية للجمعيات ولجان الزكاة، وضمان الحوكمة الرشيدة للإنفاق العام نحو الخدمات الأساسية (التعليم، الصحة، والرعاية المعيشية) باعتبار ذلك نهجاً حكيماً ومنهاجاً أصيلاً ترسم به الدولة “منطقة العدالة” التي تضمن وصول التنمية لجميع أفراد المجتمع دون تمييز.
​وهنا يبرز دور الجهاز التنفيذي في تجسيد الرؤية السامية لـ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- المنطلقة من العناية بالإنسان العُماني وبنائه؛ ليبقى المواطن دائماً في قلب “منطقة العدالة” وحصيناً من أي ممارسات إدارية قد تُكرّس الطبقية أو تُشعر فئة بالتهميش.

​خاتمة: الأثر الأسمى.. وطنٌ حصينٌ بلا فوارق

​عندما تتضافر هذه المنظومة—من أصول المنهاج الإسلامي، والموروث الثقافي العريق، والإدراك الواعي لمخاطر الطبقية على أمن الشباب واقتصاد الدولة، ورسوخ “منطقة العدالة” في التشريعات والممارسات التنفيذية—وتتحد بأسرها مع حسن إدارة الموارد والثروات الوطنية وتدبيرها بالعدل؛ يتخلق في رحم الوطن مجتمعٌ صلب البنيان، عصيٌّ على الانقسام، حصينٌ ضد كل ما يمس أمنه واستقراره، وقاطعٌ لدابر كل متربصٍ يسعى للنفاذ من ثغرات الفوارق المجتمعية.
​إن المواطن الذي يشعر بأنه يعيش في وطن يحارب الطبقية، ويتفيأ ظلال “منطقة العدالة”، ويعدل في تقديم خدماته وتوزيع موارده، يتولد لديه انتماء راسخ وإخلاص مطلق، لتظل اللحمة الوطنية الصخرة العتيدة التي تتحطم عليها كل التحديات.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img