متى أصبح الحب قضية تحتاج إلى خبير؟

نشرت :

«تبدأ الفلسفة من السؤال لا من الجواب

بقلم: أحمد الحضرمي

ماذا يعني أنه لم يرد؟

كان متصلًا، لكنه لم يرسل.

قرأ الرسالة ولم يجب.

شاهد قصتي.

تغيّرت نبرة صوته.

ابتعد قليلًا.

عاد فجأة.

لم يعد يقول الكلمات نفسها.

ماذا يعني هذا؟

هل فقد اهتمامه؟

هل هو متجنب؟

هل أنا متعلّق؟

هل هذه نرجسية؟

هل هذه علاقة سامة؟

هل يمارس التلاعب؟

هل هذه علامة حمراء؟

قبل أن نصل إلى الإجابة، ربما يجدر بنا أن نسأل سؤالًا أكثر غرابة:

متى أصبح الحب يحتاج إلى خبير يشرح لنا ماذا يحدث؟

لم يعد الإنسان يعيش العلاقة فقط.

أصبح يراقبها.

يحللها.

يقيسها.

يبحث عن علاماتها.

يصور تفاصيلها.

ثم يذهب بها إلى شخص لا يعرفه ليخبره ماذا تعني.

لماذا لم يرد؟

ماذا يعني صمته؟

هل ابتعاده طبيعي؟

هل اهتمامه حقيقي؟

هل أنا أعاني من التعلق؟

وهكذا دخل طرف ثالث إلى أكثر العلاقات خصوصية:

المفسِّر.

ليس بالضرورة إنسانًا بعينه.

قد يكون مقطعًا قصيرًا.

منشورًا.

اختبار شخصية.

خوارزمية.

كتابًا.

مؤثرًا يتحدث بثقة شديدة.

أو مصطلحًا نفسيًا سمعناه للمرة الأولى قبل خمس دقائق.

وهنا بدأت قصة أخرى.

لم نعد نسأل فقط:

ماذا حدث بيننا؟

بل:

ماذا يقول علم النفس عن الذي حدث بيننا؟

والفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو.

حين تصبح الكلمة تشخيصًا

لنأخذ مفهومًا حقيقيًا ومهمًا في علم النفس: التعلق.

نظرية التعلق ليست اختراعًا لوسائل التواصل الاجتماعي، ولا مجرد موضة نفسية حديثة.

تعود جذورها إلى أعمال جون بولبي وماري أينسورث، ثم اقترحت سيندي هازن وفيليب شيفر عام 1987 النظر إلى الحب الرومانسي لدى البالغين من زاوية التعلق، باعتباره عملية تتكون من خلالها روابط عاطفية بين الشركاء.

وهذه مساهمة علمية مهمة في فهم العلاقات.

لكن شيئًا آخر حدث لاحقًا في الثقافة الشعبية.

تحول المفهوم من أداة تساعدنا على التفكير إلى ملصق نضعه على الإنسان.

هو «متجنب».

هي «قلقة».

هو «نرجسي».

هي «سامّة».

ثم نتصرف وكأننا انتهينا من فهم الشخص.

لكن هل انتهينا فعلًا؟

إذا قلت عن شخص: «لديه نمط تعلق تجنبي»، فأنا أستخدم مفهومًا يحتاج إلى سياق وفهم وأدلة.

أما إذا قلت: «هو متجنب، لذلك لا يحبك ولن يتغير»، فقد انتقلت من العلم إلى الحكم.

ومن الاحتمال إلى اليقين.

ومن فهم السلوك إلى اختزال الإنسان.

وهنا تبدأ المشكلة.

نحن نحب التفسير أكثر مما نحب الحقيقة أحيانًا

هناك شيء نفسي عميق يحدث عندما نجهل السبب.

عدم اليقين متعب.

أن أعرف أنني لا أعرف لماذا تغير شخص ما، أمر مؤلم.

لكن أن أجد تفسيرًا جاهزًا يمنحني شعورًا بالسيطرة.

لقد أصبح «التفسير» أحيانًا مسكنًا للجهل.

وهذا لا يعني أن كل تفسير خاطئ.

بل يعني شيئًا أكثر دقة:

قد نتمسك بتفسير لأن حاجتنا إليه أكبر من الأدلة التي تبرره.

فإذا ابتعد شخص عنا، قد تكون هناك عشرات الاحتمالات.

ربما تغيرت مشاعره.

ربما خاف.

ربما ارتبك.

ربما لديه ظروف لا نعرفها.

ربما لم يعرف كيف يتحدث.

ربما لم يعد يريد العلاقة.

وربما فعل شيئًا مؤذيًا فعلًا.

لكننا لا نحب قائمة الاحتمالات.

نحن نحب الجملة الحاسمة:

«السبب هو كذا.»

لأن الجملة الحاسمة تمنح العقل راحة لا تمنحه الحقيقة دائمًا.

علم النفس نفسه يحذرنا من أوهام علم النفس الشعبي

في عام 2014 نشر أدريان فورنهام وديفيد هيوز دراسة في Teaching of Psychology شارك فيها 829 شخصًا وأجابوا عن استبيان مكوّن من 249 بندًا لقياس انتشار الأساطير والمفاهيم الخاطئة في علم النفس.

وجد الباحثان أن هذه المعتقدات الخاطئة واسعة الانتشار، وأنها لا تقتصر على عامة الناس؛ بل ظهرت أيضًا بين طلاب علم النفس، وكان تأثير التعليم في التخلص منها محدودًا نسبيًا.

لاحظوا المفارقة.

نحن نعيش في عصر تتدفق فيه المعلومات النفسية بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك، فإن المعرفة النفسية الخاطئة منتشرة أيضًا بصورة واسعة.

إذن، ليس كل ما يبدو «علميًا» علمًا.

وليس كل شخص يستخدم كلمة «تعلق» يفهم نظرية التعلق.

وليس كل من قال «نرجسية» يتحدث عن اضطراب الشخصية النرجسية.

وليس كل من قال «علاقة سامة» قدّم تقييمًا نفسيًا أو أخلاقيًا صالحًا للعلاقة.

وأخطر ما في الأمر أن المصطلح العلمي، عندما يخرج من سياقه، يمنح الكلام سلطة لا يستحقها.

من الفهم إلى المحكمة

تخيل علاقة بين شخصين.

حدث خلاف.

بدل أن يقول أحدهما: «لماذا حدث هذا؟»

قد يقول: «أنت نرجسي.»

والآخر: «بل أنت متجنب.»

ثم يبدأ كل طرف في البحث عن الأدلة التي تثبت تشخيصه للآخر.

رسائل قديمة.

مواقف منسية.

كلمة قيلت قبل عام.

تأخر في الرد.

لحظة غضب.

انسحاب.

عودة.

كل شيء يصبح «دليلًا».

وهكذا تتحول العلاقة من مساحة للقاء إلى محكمة نفسية.

كل طرف محامٍ.

وكل رسالة مستند.

وكل خلاف قرينة.

وكل مصطلح حكم.

لكن الإنسان ليس ملفًا.

هل ساعدتنا المعرفة على فهم الآخر… أم على اختزاله؟

المعرفة الجيدة تجعل رؤيتنا للإنسان أكثر تعقيدًا.

أما المعرفة السطحية فتجعلها أبسط.

إذا تعلمت شيئًا حقيقيًا عن التعلق، ينبغي أن أدرك أن العلاقات أكثر تعقيدًا من مجرد ثلاثة أو أربعة أوصاف.

أما إذا تعلمت مصطلحًا واحدًا، فقد أبدأ في رؤية العالم كله من خلاله.

وهنا تتحول المعرفة إلى عدسة مشوهة.

كل شخص يصبح مثالًا للنظرية.

كل علاقة تصبح حالة.

كل خلاف يصبح «نمطًا».

كل خوف يصبح «صدمة».

كل اختلاف يصبح «تلاعبًا».

وكل انسحاب يصبح «تجنبًا».

حتى الحب نفسه قد يصبح تشخيصًا.

المشكلة ليست في علم النفس

ليس المقصود أن نرمي علم النفس الشعبي كله في سلة واحدة.

ولا أن نسخر من المختصين.

ولا أن نقول للإنسان: لا تتعلم عن نفسك.

على العكس.

معرفة النفس من أعظم المعارف التي يمكن للإنسان أن يكتسبها.

لكن هناك فرقًا بين أن تستخدم المعرفة لتسأل: «ماذا يحدث داخلي؟»

وبين أن تستخدمها لتقول: «لقد عرفت حقيقتك.»

الأول يفتح بابًا.

الثاني يغلقه.

ماذا يحدث عندما تصبح العلاقة «مشروع تحسين»؟

أصبحنا نريد أن نفهم أنفسنا باستمرار.

نريد أن نعرف نمط تعلقنا.

لغتنا في الحب.

لغة شريكنا.

حدودنا.

محفزاتنا.

جروحنا.

احتياجاتنا.

وهذه الأشياء قد تكون مفيدة فعلًا.

لكن هل يمكن أن نصل إلى لحظة يصبح فيها الإنسان مشغولًا بفهم العلاقة أكثر من المشاركة فيها؟

نراقب أنفسنا ونحن نتحدث.

هل قلت الشيء الصحيح؟

هل أظهرت تعلقًا؟

هل بالغت؟

هل تأخرت في الرد حتى لا أبدو محتاجًا؟

هل ينبغي أن أضع حدودًا؟

هل هذا «سلوك صحي»؟

فتصبح العلاقة مسرحًا يراقب فيه كل شخص أداءه النفسي.

أين العفوية؟

أين الصدق؟

أين إمكانية أن يقول الإنسان:

«لا أعرف ماذا أشعر، دعنا نتحدث.»

بدل أن يأتيه جواب جاهز من الإنترنت؟

لقد أصبحنا نخاف من أن نخطئ في الحب

لدينا اليوم معلومات أكثر من أي وقت مضى عن العلاقات.

لكن هل أصبحنا أكثر قدرة على الحب؟

هذا سؤال لا أريد أن أجيب عنه.

يمكننا أن نسأل:

هل كثرة الحديث عن «العلاقات الصحية» جعلتنا أكثر صحة في علاقاتنا؟

هل معرفة «العلامات الحمراء» جعلتنا أكثر قدرة على التمييز؟

أم جعلتنا نرى الخطر في كل اختلاف؟

هل تعلم الحدود جعلنا أكثر احترامًا للآخر؟

أم جعل بعضنا يستخدم الحدود لغة مهذبة للهروب من كل مسؤولية؟

هل معرفة التعلق جعلتنا أكثر رحمة بأنفسنا وبالآخر؟

أم جعلتنا نضع كل إنسان في خانة؟

الحب أقدم من قاموسنا النفسي

الفلسفة نفسها لم تتفق على تعريف واحد للحب.

موسوعة ستانفورد للفلسفة تعرض الحب الشخصي باعتباره موضوعًا فلسفيًا متعدد الأبعاد، وتناقش تصورات مختلفة له، منها الحب بوصفه اتحادًا، أو عناية عميقة بالآخر، أو تقديرًا، مع أسئلة عن استقلال المحب والمحبوب وقيمة الحب.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

إذا كان الفلاسفة أنفسهم قد ظلوا يناقشون ماهية الحب وصورته وقيمته، فكيف أصبحنا نريد اختزال علاقة إنسانين في:

«سبع علامات تدل على أنه متجنب»؟

كيف أصبحت حياة كاملة قابلة للتفسير في منشور؟

كيف أصبح الإنسان الذي قضيت معه سنوات، والذي رأيت ضعفه وقوته وتاريخه وتحولاته، قابلًا للاختزال في كلمة واحدة؟

ربما لأن الاختزال أسهل من المعرفة.

والحكم أسرع من الفهم.

من الذي صنع الصورة التي نحاول الوصول إليها؟

تبحث عالمة الاجتماع إيفا إيلوز في كتابها Consuming the Romantic Utopia في الطريقة التي تشكلت بها تصورات الحب والرومانسية من خلال الثقافة الحديثة والصور الجماهيرية، وكيف تداخلت التجربة الرومانسية مع الثقافة الاستهلاكية.

وهنا يمكن أن نضيف سؤالًا آخر:

إذا كانت الثقافة قد ساعدتنا في تشكيل صورة عن كيف ينبغي أن يبدو الحب…

ثم جاء علم النفس الشعبي ليخبرنا كيف ينبغي أن نقرأ الحب…

فهل بقي لنا أن نعيش الحب كما هو؟

أم أصبحنا نعيش بين صورتين:

الصورة التي يجب أن تكون عليها العلاقة، والتفسير الذي يجب أن نعطيه لكل ما يحدث فيها؟

أخطر كلمة في العلاقات قد تكون: «يعني»

لماذا لم يرد؟

«يعني» أنه لا يهتم.

لماذا ابتعد؟

«يعني» أنه متجنب.

لماذا غضب؟

«يعني» أنه نرجسي.

لماذا عاد؟

«يعني» أنه يريد السيطرة.

لماذا تغير؟

«يعني» أن هناك شخصًا آخر.

لاحظوا كلمة واحدة:

«يعني.»

إنها الكلمة التي تقفز فوق المسافة بين الحدث وتفسيره.

وهذه المسافة هي المكان الذي يعيش فيه عدم اليقين.

والإنسان لا يحب عدم اليقين.

لكنه ربما يحتاج أن يتعلم تحمله.

لأن بعض الأسئلة لا تملك إجابة فورية.

وبعض الناس لا نعرف لماذا فعلوا ما فعلوا.

وبعض العلاقات تنتهي دون أن تمنحنا تفسيرًا كاملًا.

وهذا مؤلم.

لكنه حقيقي.

ربما نحتاج إلى فضيلة نسيناها: «لا أعرف»

كم هو صعب أن يقول الإنسان:

لا أعرف.

لا أعرف لماذا تغير.

لا أعرف ماذا كان يقصد.

لا أعرف هل كان يحبني بالطريقة التي ظننتها.

لا أعرف هل كنت مخطئًا.

لا أعرف إن كان ما حدث سببه خوف أم عدم رغبة أم ظروف أم شيء آخر.

لكن «لا أعرف» ليست عجزًا دائمًا.

أحيانًا تكون بداية المعرفة.

لأنني عندما أتوقف عن اختراع الإجابة، أبدأ أخيرًا في رؤية السؤال.

وهنا تعود الفلسفة.

الفلسفة لا تأتي لتقول لنا: «هذا هو تفسير الإنسان.»

بل تسأل: «كيف عرفت أن تفسيرك صحيح؟»

إذن… هل نحتاج إلى خبراء في الحب؟

نعم.

ونحتاج إلى علماء النفس.

ونحتاج إلى المعرفة.

ونحتاج إلى البحث العلمي.

ونحتاج أحيانًا إلى المختص عندما تصبح المشكلة أكبر من قدرتنا.

لكننا لا نحتاج إلى تحويل كل علاقة إلى عيادة.

ولا كل اختلاف إلى تشخيص.

ولا كل ألم إلى مرض.

ولا كل إنسان إلى «نمط».

ولا كل مقطع إلى حقيقة.

لأن العلم الحقيقي لا يخاف من التعقيد.

أما التفسير السريع، فعادةً ما يخاف منه.

وربما يكون السؤال الذي يجب أن نحمله معنا بعد كل هذا ليس:

«ما نمط تعلقه؟»

ولا: «هل هو نرجسي؟»

ولا حتى: «هل هذه علاقة سامة؟»

بل:

«ماذا أعرف فعلًا… وماذا أظن أنني أعرف؟»

هذا السؤال الصغير قد يحمينا من أخطاء كبيرة.

فقد لا تكون المشكلة أن الإنسان أصبح جاهلًا بالحب.

ربما أصبح واثقًا أكثر مما ينبغي في أنه يفهمه.

وهنا المفارقة:

كلما ازدادت لدينا الكلمات التي نصف بها الحب، ربما أصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا:

«هل أصبحنا نفهم الحب فعلًا… أم أصبحنا فقط نجيد الحديث عنه؟»

وربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يستبدل تجربة كاملة بتفسير عنها.

أن يستبدل الشخص بالمصطلح.

والعلاقة بالتشخيص.

والسؤال بالإجابة الجاهزة.

لأن الإنسان الذي نضعه في خانة…

قد يكون أوسع من الخانة.

والحب الذي نحاول اختصاره في تعريف…

قد يكون أوسع من الكلمة.

ولهذا، ربما لا يبدأ فهم الحب عندما نجد الخبير الذي يخبرنا ماذا يعني كل شيء.

ربما يبدأ عندما نملك الشجاعة الكافية لنقول:

«لا أعرف.»

ثم نسأل.

«من جديد.»

«ومن هنا تبدأ الفلسفة.»

مراجع المقال

1. Hazan, Cindy & Shaver, Phillip R. (1987). “Romantic Love Conceptualized as an Attachment Process.” Journal of Personality and Social Psychology, 52(3), 511–524.
2. Furnham, Adrian & Hughes, David J. (2014). “Myths and Misconceptions in Popular Psychology: Comparing Psychology Students and the General Public.” Teaching of Psychology, 41(3), 256–261.
3. Illouz, Eva (1997). Consuming the Romantic Utopia: Love and the Cultural Contradictions of Capitalism. University of California Press.
4. Stanford Encyclopedia of Philosophy. “Love.”

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img