✍️عبدالعزيز مسعود السعدون
من ذاكرة الطفولة:
كانت هناك وجوه لاتستطيع الأيام أن تمحوها ومشاهد كنا نراها صغارا نحسبها عابرة ، الى أن كبرنا لنكتشف أنها كانت تحمل في داخلها دروسا عظيمة عن الصبر والحياة…
ومن تلك الوجوه التي مرت علينا رجلٌ كبير في السن عرفناه بلقبه «برحزامان»
ومازالت صورته حاضرة في ذاكرتي عندما كان يمشي بين البيوت على قدميه، متكئًا على عصاه، ويحمل معه اللوسي الذي يلف فيه بضاعته من الملابس النسائية وقتها.
لم يكن لديه متجر ولا سيارة تنقله بل كان يتنقل من منطقة الى اخرى على قدميه ووسيلته الوحيدة وكان صبره رأس ماله، وكان ذو سمعة طيبة بين الأهالي والنساء هو الإعلان الذي كان يسبقه عند كل بيت…
كان يدخل الأحياء ويقف عند البيوت بكل أدب واحترام يعرف أن للبيوت حرمتها وللنساء خصوصيتهن فلا يتجاوز أحدًا ولا يسيء الى أحد في قول أو تصرف كان سهلًا في بيعه، بشوشًا في معاملته، طيب القلب، سمح التعامل ، حتى أصبح معروفًا ومأمون في كل بيت من بيوت المدن .
والأجمل في حكايته أنه لم يكن يبيع دائما نقداً ؛ بل كان أحيانا يبيع للنساء بالدين، وتصل المبالغ كبيرة احياناً لدى بعض البيوت.
تمر الشهور… وربما تمر السنوات وهو ينتظر حقه.
لم يكن يطرق الأبواب مطالبا، ولم يكن يحرج أي امرأةً أمام أهل بيتها ولا يجعل من حاجته إلى المال سببا ليكسر خاطر أحد. كان ينتظر بصبرٍ عجيب،وتحمل غريب حتى تتكرم من اشترت منه وترد إليه حقه متى استطاعت.
واليوم وعندما أتذكر ذلك الموقف
أسأل نفسي:
أي قلب كان يحمله ذلك الرجل؟ وأي ثقة بالناس كانت تسكنه؟
لقد كان يبيع الملابس، نعم… لكنه دون أن يدري انه كان يعلّمنا شيئًا أكبر من التجارة:
أن الرزق أخلاق،
وأن البيع أمانة،
وأن حسن المعاملة قد يبقى في ذاكرة الناس بعد أن يفنى المال وتغيب البضاعة.
ربما تأخر عليه الكثير من حقوقه لسنوات، وربما ضاع عليه شيء منه، وربما عاد إلى بيته في بعض الأيام وليس معه إلا القليل…
لكنه ترك وراءه شيئًا لا يُشترى بالمال:
السيرة الطيبة.
كنت صغيرًا عندما كنت أشاهده، ولم أكن أفهم مايقوم به ذلك الرجل الذي يمشي بعصاه وبضاعته من بيت إلى بيت.
واليوم بعدما كبرت، أدركت أنني كنت أشاهد رجلًا يكافح من أجل لقمة العيش ورزق بالحلال، ويحفظ للناس كرامتهم، ويحترم البيوت والحرمات، ويعامل الآخرين بطيبة وسماحة لم يعد في زمننا هذا أن تجد مثلهم.
مضت السنوات، واختفت تلك الخطوات من طرقاتنا، وغابت العصا، ولم يعد «اللوسي» محمولًا على الكتف، وأخذ الله أمانته منذ سنوات… لكن يبقى (برحزامان )في ذاكرة كل من عرفوه.
وهكذا هي الدنيا؛
نقضي أعمارنا في جمع المال
ثم نرحل ونتركه كله
ولا يبقى سوى المعروف والإحسان…


