السؤال الخامس: ما الذي نسميه حبًا؟ «تبدأ الفلسفة من السؤال لا من الجواب.»

نشرت :


بقلم: أحمد الحضرمي

حين نقول: الحب، نظن أننا نعرف ما نعنيه.
لكن ماذا لو كان أكثر ما نحتاج إلى مراجعته ليس الحب نفسه، بل الأشياء الكثيرة التي وضعناها تحته؟
نقول: أحب أبي.
أحب أمي.
أحب أبنائي.
أحب أصدقائي.
أحب وطني.
أحب المعرفة.
أحب الشعر والموسيقى.
أحب الحياة.
أحب إنسانًا بعينه.
الكلمة واحدة.
لكن هل التجربة واحدة؟
هل الحب الذي يشعر به الأب تجاه ابنه هو الحب نفسه الذي يشعر به الصديق تجاه صديقه؟ وهل حب الوطن هو نفسه حب المعرفة؟ وهل حب الإنسان لذاته يشبه حبه للآخر؟ وهل الحب الذي نسميه عاطفيًا هو الصورة الوحيدة التي تستحق أن تحمل هذا الاسم؟
ربما كانت أول مشكلة في حديثنا عن الحب أننا اعتدنا أن نتحدث عن كلمة واحدة كما لو أنها تشير إلى تجربة واحدة.
والأكثر غرابة أننا، كلما اتسع استخدام الكلمة، قلّ تمييزنا لما تحتها.
هل الحب شعور واحد؟
الفلسفة لم تتعامل مع الحب باعتباره مفهومًا بسيطًا.
فعند الحديث عن الحب الشخصي، تميّز الأدبيات الفلسفية بين صور متعددة من المحبة، وتطرح أسئلة عن قيمته، وطبيعته، وعلاقته بالاستقلال والحرية، وعن الاختلاف بين حب الوالدين والأبناء والأصدقاء والشركاء وغيرهم.
وعند أرسطو، مثلًا، لا تظهر الصداقة باعتبارها علاقة واحدة؛ بل يناقش في الأخلاق النيقوماخية صورًا تقوم على المنفعة، وأخرى على المتعة، وأخرى على الفضيلة، ويرى أن الصداقة الأتم هي التي يكون فيها الخير المتبادل متعلقًا بالشخص نفسه لا بمجرد ما نحصل عليه منه.
وهنا تظهر مفارقة قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة:
ربما لم يكن السؤال يومًا: ما الحب؟
بل:
أي نوع من الحب نتحدث عنه؟
وما الذي يجعل هذه التجربة حبًا، لا رغبة أو إعجابًا أو منفعة أو تعلقًا أو انتماءً أو حاجة؟
حين تصبح كلمة واحدة مظلة لأشياء كثيرة
تحت كلمة «الحب» يمكن أن نجد الرغبة.
وقد نجد العناية.
وقد نجد الحماية.
وقد نجد الصداقة.
وقد نجد الانتماء.
وقد نجد التضحية.
وقد نجد الإعجاب.
وقد نجد الشغف.
وقد نجد الحاجة.
وقد نجد المسؤولية.
وقد نجد الرغبة في القرب.
بل وقد نجد أحيانًا الرغبة في امتلاك ما نحب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا:
هل كل ما نشعر به تجاه الآخر حب؟
إذا كان الإنسان يغار لأنه يحب، فهل الغيرة جزء من الحب أم خوف من فقدان شيء يريده؟
إذا كان الوالد يمنع ابنه من اختيار طريقه «لأنه يحبه»، فهل الحماية حب حين تلغي حرية من نحميه؟
إذا أحب الإنسان وطنه، ثم كره كل من يختلف معه، هل بقي في ذلك الحب شيء من الحب؟
إذا أحب الإنسان نفسه حتى لم يعد يرى قيمة لغيره، هل هذا حب للذات أم تضخم للذات؟
إذا أحب المعرفة حتى أصبح عاجزًا عن الاعتراف بجهله، فهل يحب الحقيقة فعلًا أم يحب صورة نفسه بوصفه عارفًا؟
هنا لا يعود السؤال عن وجود الحب، بل عن نوعه وأثره.
ماذا يفعل الحب بمن نحب؟
ربما هذا هو السؤال الذي لا نطرحه بما يكفي.
نحن نسأل: هل تحبه؟
لكن قلما نسأل: ماذا يفعل حبك به؟
فالحب يمكن أن يرعى، لكنه يمكن أن يخنق.
يمكن أن يمنح الأمان، لكنه قد يتحول إلى حماية مفرطة.
يمكن أن يقرب، لكنه قد يتحول إلى امتلاك.
يمكن أن يضحي، لكنه قد يتحول إلى ابتزاز باسم التضحية.
يمكن أن يوحّد، لكنه قد يمحو الاختلاف.
يمكن أن يمنح الإنسان شعورًا بقيمته، لكنه قد يتحول إلى حاجة مرضية لأن يكون محبوبًا دائمًا.
إذن ليست كل ممارسة تُسمّى حبًا بالضرورة ممارسة محبة.
الاسم وحده لا يمنح الفعل قيمته الأخلاقية.
فقد يقول الإنسان: «فعلت ذلك لأنني أحبك.»
لكن الحب لا يصبح حقيقة أخلاقية لمجرد أن صاحبه نطق باسمه.
الحب الذي لا يرى الآخر
إريك فروم، في «فن الحب»، نقل النقاش عن الحب من مجرد الانفعال إلى القدرة على الممارسة، وربط الحب الناضج بالعناية والمسؤولية والاحترام والمعرفة. والأهم أن الاحترام عنده يتضمن الاعتراف بفردية الآخر وعدم تحويله إلى أداة لحاجاتنا الخاصة.
وهنا تتغير الصورة.
أن أحبك لا يعني فقط أن أشعر تجاهك بشيء.
بل ربما يعني أن أراك.
أن أرى أنك لست امتدادًا لي.
ولست مشروعًا أصنعه وفق رغبتي.
ولست ملكًا لأنني أحبك.
ولست ملزمًا بأن تصبح الصورة التي أريدها كي يستمر حبي لك.
وهذا يفتح بابًا فلسفيًا بالغ الأهمية:
هل يستطيع الحب أن يحتفظ بقربه دون أن يلغي حرية الآخر؟
ربما يكون هذا أحد أصعب اختبارات الحب.
هل نحب الإنسان أم ما يمنحنا إياه؟
أحيانًا لا نحب الشخص بقدر ما نحب ما يحدث لنا بوجوده.
نحب الشعور الذي يمنحنا إياه.
الأمان.
التقدير.
الاهتمام.
المكانة.
الصحبة.
الاعتراف.
المنفعة.
الفرح.
وربما لا مشكلة في أن يمنحنا من نحب شيئًا من ذلك؛ فالعلاقات الإنسانية بطبيعتها متبادلة.
لكن السؤال يصبح مهمًا عندما يغيب ما نحصل عليه.
ماذا يبقى من محبتنا حين لا يعود الآخر يمنحنا ما نريد؟
ألا تكشف لحظات الخلاف والفقد والاختلاف أحيانًا طبيعة ما كنا نسميه حبًا أكثر مما تكشفه لحظات الانسجام؟
ربما لأننا في لحظة الرضا لا نعرف دائمًا:
هل أحببت الشخص…
أم أحببت التجربة التي صنعها وجوده في حياتي؟
والحب لا يعيش في العلاقات الحميمة وحدها
ربما ضيّقنا مفهوم الحب حين جعلنا صورته الأشهر هي العلاقة العاطفية.
لكن ماذا عن الأم التي تسهر على طفلها؟
وماذا عن أب يترك جزءًا من راحته كي يمنح أبناءه فرصة أفضل؟
وماذا عن صديق يبقى حين لا يعود بقاؤه مربحًا؟
وماذا عن إنسان يعتني بمسن لا تربطه به قرابة؟
وماذا عن من يهب وقته لخدمة الآخرين؟
وماذا عن حب المعرفة الذي يجعل إنسانًا يقضي عمره في البحث عن الحقيقة؟
وماذا عن الشاعر الذي يمنح اللغة سنوات من عمره؟
وماذا عن الإنسان الذي يحب أرضًا لمجرد أنها أرض طفولته؟
هذه كلها ليست التجربة نفسها.
لكنها تجعلنا أمام حقيقة مهمة:
الحب ليس علاقة واحدة؛ إنه عائلة واسعة من التجارب الإنسانية.
وربما يكون الخطأ أننا حاولنا العثور على تعريف واحد يستوعبها كلها.
حتى حب الذات يحتاج إلى سؤال
في زمننا الحديث أصبح «حب الذات» شعارًا واسع الانتشار.
ويبدو الشعار جميلًا.
لكن ماذا نعني به؟
هل حب الذات أن أحترم نفسي؟
أن أحافظ على كرامتي؟
أن أضع حدودًا؟
أن أعتني بجسدي وعقلي؟
أم أن يتحول إلى تبرير لكل رغبة؟
متى يصبح حب الذات احترامًا للنفس؟
ومتى يصبح إعجابًا بالنفس؟
ومتى يتحول إلى مركزية تجعل العالم كله مطالبًا بالتكيف معنا؟
هنا أيضًا نحتاج إلى التمييز.
لأن الشيء نفسه الذي قد يبدأ فضيلة، يمكن أن ينقلب إلى نقيضه إذا فقد ميزانه.
ماذا فعلت بنا السرعة؟
لقد أصبحت حياتنا أسرع.
اختياراتنا أكثر.
صور الآخرين أمامنا لا تنتهي.
نرى علاقات الآخرين ونجاحاتهم وأسرهم وصداقاتهم وسعادتهم في لحظات متتابعة.
أصبحنا نقارن.
وأصبحنا نختار.
وأصبحنا نستبدل.
وأصبحنا نعيد تعريف ما نريده من الآخرين.
لكن الحب، في كثير من صوره، يحتاج إلى شيء لا تحبه السرعة:
الزمن.
الطفل لا يصبح ابنًا صالحًا في أسبوع.
والصداقة لا تصبح عميقة في منشور.
والوطن لا يصبح انتماءً بمجرد شعار.
والمعرفة لا تصبح حكمة بمجرد معلومة.
والإنسان لا يُعرف من أول انطباع.
فهل غيّرت السرعة الحب؟
أم أنها غيّرت قدرتنا على الصبر على الأشياء التي تحتاج إلى وقت كي تصبح حبًا؟
عندما يصبح كل شيء قابلًا للقياس
نحن نعيش عصرًا يحب الأرقام.
كم عدد المتابعين؟
كم عدد الرسائل؟
كم مقدار الاهتمام؟
كم مرة اتصل؟
كم مرة أعجب؟
كم أعطى؟
كم أخذ؟
حتى المشاعر بدأت تدخل أحيانًا في لغة الحساب.
لكن هل يمكن قياس الحب بهذه الطريقة؟
وهل كثرة العطاء دليل على عمق الحب دائمًا؟
وهل قلة التعبير دليل على غيابه؟
وهل ما يمكن قياسه هو بالضرورة الأكثر أهمية؟
ربما تكمن إحدى مشكلات عصرنا في أننا أصبحنا نخلط بين قابلية القياس وقيمة الشيء.
ما نستطيع عده يبدو لنا حقيقيًا.
وما لا نستطيع عده يصبح غامضًا.
لكن كم يساوي الوفاء؟
كم تساوي الرحمة؟
كم تساوي لحظة بقي فيها إنسان إلى جانب آخر في أصعب أيامه؟
ما سعر الصديق الذي لم يطلب شيئًا؟
ما قيمة أبٍ لم يعرف كيف يقول «أحبك» لكنه قضى عمره يعمل من أجل أبنائه؟
بعض الأشياء لا يقل وجودها لأنها لا تظهر في شاشة.
هل كثرة الحديث عن الحب جعلتنا نفهمه أكثر؟
لدينا اليوم كتب لا تحصى عن الحب.
ودورات.
واختبارات.
ومحتوى نفسي.
وفلسفات.
ونصائح.
وتطبيقات.
ومؤثرون.
وملايين الكلمات التي تشرح لنا كيف نحب وكيف نُحَب.
لكن السؤال الذي بقي:
هل كثرة الكلام عن الحب جعلتنا أكثر قدرة على ممارسته؟
ربما نعم في بعض الجوانب.
وربما لا في جوانب أخرى.
لكن المؤكد أن المعرفة عن الشيء ليست الشيء نفسه.
يمكن أن نعرف كل شيء عن الموسيقى ولا نعزف.
ويمكن أن نعرف كل شيء عن الأخلاق ولا نكون أخلاقيين.
ويمكن أن نعرف كل شيء عن الحب…
ولا نعرف كيف نحب.
وهنا نعود إلى المفارقة التي صاحبت هذه السلسلة منذ بدايتها:
ربما لم تكن مشكلتنا في قلة الكلمات.
بل في أن الكلمات نفسها أصبحت تحتاج إلى إنقاذ من كثرة استعمالها.
فماذا نسمي حبًا؟
هل الحب هو الشعور؟
أم الفعل الذي يأتي بعد الشعور؟
هل هو الرغبة في القرب؟
أم القدرة على احترام المسافة؟
هل هو العطاء؟
أم التبادل؟
هل هو التضحية؟
أم معرفة متى لا تكون التضحية فضيلة؟
هل هو أن أحتاج الآخر؟
أم أن أستطيع أن أكون مستقلًا عنه ومع ذلك أختاره؟
هل الحب أن أرى أفضل ما في الإنسان؟
أم أن أراه كما هو، لا كما أتمنى أن يكون؟
هل الحب أن أريد له ما أريده أنا؟
أم أن أريد له الخير حتى عندما لا يطابق الخير الذي أتصوره له؟
وهل يمكن أن نحب شيئًا ونؤذيه في الوقت نفسه؟
إذا كان الجواب نعم، فربما لا يكفي أن نقول:
«أنا أحب.»
بل علينا أن نسأل:
كيف أحب؟
ربما لم يتغير الحب وحده
ربما كنا نبحث طوال هذه السلسلة عن السؤال الخطأ.
سألنا:
هل تغير الحب؟
هل تغيرت لغته؟
هل غيرته الثقافة؟
هل غيرته وسائل التواصل؟
هل شوهته السوق؟
هل أربكته المصطلحات النفسية؟
لكن ربما هناك سؤال أعمق:
ماذا حدث للإنسان الذي يحب؟
فالإنسان نفسه تغير.
تغيرت علاقته بالوقت.
وتغيرت علاقته بالاختيار.
وتغيرت علاقته بذاته.
وتغيرت علاقته بالآخر.
وتغيرت علاقته بالوحدة.
وتغيرت علاقته بالصورة.
وتغيرت علاقته بالحرية.
وتغيرت علاقته بالحقيقة.
فربما لا نستطيع أن نفهم ما حدث للحب دون أن نفهم أولًا الإنسان الذي يحمل هذا الحب.
وربما لا نحتاج إلى تعريف جديد للحب
ربما نحتاج إلى شيء أكثر صعوبة:
أن نتعلم كيف نميّز.
أن نميز بين الحب والتعلق.
بين العناية والسيطرة.
بين التضحية وإلغاء الذات.
بين الانتماء والتعصب.
بين حب الذات والتمركز حول الذات.
بين الإعجاب والمحبة.
بين الحاجة والاختيار.
بين الرغبة والاحترام.
بين أن نحب إنسانًا…
وأن نحب الصورة التي صنعناها عنه.
فربما تكون الحكمة ليست في أن نعثر على تعريف نهائي للحب.
بل في أن نعرف متى نستخدم الكلمة، وماذا نعني بها، وما الذي يترتب عليها.
لأن الكلمة حين تتسع لكل شيء…
قد تنتهي إلى ألا تعني شيئًا.
والسؤال الذي يبقى
ربما بعد كل ما قلناه لا نستطيع أن نغلق الباب بتعريف.
ولا ينبغي لنا أن نفعل.
لأن الحب من تلك المفاهيم التي تكشف الإنسان بقدر ما تصف التجربة.
نرى الإنسان في حبه.
في ما يمنحه.
وفي ما يطلبه.
وفي ما يخشاه.
وفي ما يحاول امتلاكه.
وفي ما يستطيع أن يتركه حرًا.
وفي الطريقة التي يعامل بها من لا يحتاجه.
وفي الطريقة التي يبقى بها حين لا تعود هناك مكافأة.
ولهذا ربما كان السؤال الأصدق:
ليس: هل تحب؟
بل:
ماذا يفعل حبك بالعالم من حولك؟
هل يجعله أوسع؟
أم أضيق؟
هل يمنح من تحب مساحة ليكون نفسه؟
أم يطالبه بأن يكون نسختك المفضلة منه؟
هل يزيد الإنسان حياة؟
أم يأخذ منه حياته باسم الحب؟
وربما هنا بالضبط يبدأ الفرق بين الحب الذي نشعر به والحب الذي نستطيع أن نتحمل مسؤوليته.
خاتمة السلسلة
ربما لم نفقد الحب.
وربما لم يتغير الحب وحده.
ربما تغيرت اللغة التي نحاول أن نصفه بها، والثقافة التي نحاول أن نعيشه داخلها، والسرعة التي نريد نتائجه بها، والصور التي نقارنه بها، والمفاهيم التي نفسر من خلالها كل ما يحدث لنا.
وربما لم تكن المشكلة أننا لا نملك إجابة عن سؤال:
ما الحب؟
بل أننا توقفنا عن طرح السؤال الأهم:
ما الذي نسميه حبًا؟
وربما كان علينا، قبل أن نسأل كيف تغيّر الحب، أن نسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ماذا حدث للإنسان نفسه؟
فربما لا تكون قصة الحب وحدها هي التي تستحق أن نعيد النظر فيها، بل قصة الإنسان الذي يحب، ويخاف، ويتعلق، ويختار، ويفقد، ويبحث عن معنى لوجوده وسط عالم يتغير أسرع مما يستطيع أن يفهمه.
ولهذا ربما لا تكون هذه السلسلة قد انتهت فعلًا.
ربما انتهى السؤال الأول فقط.
أما السؤال الأعمق…
فهو يبدأ من مكان آخر.
مكان لا نبحث فيه عن الحب هذه المرة، بل عن الإنسان الذي يبحث عنه.


أحمد الحضرمي


مراجع مختارة للمقال

1. Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Love”.

2. Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Friendship”، مع مناقشة تصور أرسطو للصداقة.

3. Aristotle, Nicomachean Ethics, Books VIII–IX.

4. Erich Fromm, The Art of Loving (1956).

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img