ماجد المرهون
لا أميل كثيراً إلى الكتابة في التحليلات السياسية المُعمَّقة نظراً لحالة اللايقين المصاحبة لها، وغالبًا ما نجد في الكثير من تلك التحليلات نزعاتٍ شخصية أو ميولاً لطرف وموقف أو عاطفة، وتسود في مُعظم التحليلات قراءةٌ للمشهد الظاهري الذي يراه الجميع مع اختلاف القراءات نتيجة الغموض الذي يشوب السياسة لا سيَّما اذا رافق بعض الساسة قدرات عسكرية هائلة وهلوسات العظمة، فنجد أن كل محلل يبني رؤاه على الأحداث الماضية مع افتراضاتٍ واحتمالات مستقبلية قد يتحقق شيئ منها ولا يتحقق معظمها، فتتباين نظراتهم الآنية واستشرافاتهم الآتية ويتفقون في بابٍ ويختلفون في ابواب حتى يقع المُتلقي في حالة تنجيمية كالذي يقرأ في صفحة الأبراج الفلكية، ولكن يُحسب للكثير من المُحللين السياسيين قولهم كلمة الحق من منظورهم الخاص سواءً اصابوا أو اخطأوا.
ولأني لا ادعي النبوغ في التحليلات السياسية لعدم ميلي كثيراً لها، إلا أن الأمر يختلف عندما يمس شأن سلطنة عمان، وسوف اتحول إلى اكبر المُحللين على مستوى العالم، بل ومن اشدهم ميلاً ونزعةً وتحيزاً إلى صف بلادي وبكل ما أوتيت، لأن الحق وبكل بساطة ساطع كشمس حزيران لا تحجبه غرابيل الهذيان.
عندما تتمثل غشامة التهديد من شخصية رئاسيةٍ رفيعة الشأن كالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بممارسة القوة على سلطنةِ عمان فإنه يعود بذلك إلى عصور الاستعمار والانتداب الغربي في فرض الوصاية الجبرية على الدول، ولكن في شكلٍ جديد يعمل على الضغط النفسي، وقد جاء الكاتب السويدي “توماس اريكسون” على تحليل هذه الشخصية ضمن تقسيم الشخصيات إلى اربعة انماط في كتابه بعنوان “مُحاط بالحمقى”، إذ تناول الشخص المُشار له باللون الأحمر باعتباره القوي المُسيطر ويتخذ قراراتٍ سريعة بشكل حازم ومباشر، ويحتاج دائماً للقوة ويخاف من عامل الوقت وفقدان السيطرة حتى لا يظهر ضعيفاً.
وإذا تجاوزنا قليلاً مسألة المحللين السياسيين للمشاهد الظاهرية وتحليلات العلماء والخبراء للحالات النفسية الخفية، فإن ما يتبقى لدينا الآن هو النسبة الغالبة أو العظمى من الناس الذين وجبت عليهم كلمة الحق حين صمتوا وعلى رأسهم قادة وزعماء الدول العربية والإسلامية، في ظاهرة سياسية واجتماعية مريبة ومحزنة في التاريخ الإنساني، ويظهر تشكلها في نمطية جديدة ثلاثية الأبعاد، بين المُستبد القوي الكاذب والمُكره الضعيف الصادق والساكت عن الحق الخائف، ويجب لتفكيك هذه المنظومة أن نستدعي الأبعاد النفسية والأخلاقية والاجتماعية التي تُغذي هذا الواقع المرير.
القوي المُتغطرس غالباً ما يمارس السيطرة المادية المباشرة ويتمثل في شخصية دونالد ترامب وهو لا يكتفي بذلك، وسيسعى لإضفاء شرعية استبداده عبر اسباغ صفة الوصاية على سلطنة عمان التي عرفت دوماً بسلامها وحيادها، فيقدم نفسهُ بأنه الكائن القادر على ادارة الأمور من خلال تنصيب نفسه الولي بوكالة مطلقة بعمده إلى تغييب ارادة الآخرين وسلب اهليتهم في حق الاختيار، واستند في هذا التحليل على احداثٍ ماضية لمزاولة ترامب نرجسية التهديد والتخويف للآخرين بسبب تسلط فكرة الهزيمة على كل فرائصه وخوفه الشخصي من عامل الوقت.
يتصور دونالد ترامب بأن القوة والأخلاق لا يتفقان معاً، ويمكنه بتهديده اكراه الطرف الآخر ولكن في هيئة التوجيه كالدور الذي يمارسه الأب البالغ على الإبن القاصر، وفي الحالة الأمريكية يُستخدم ما يسمى بالأدوات “النيرمية” وهي نفسية واقتصادية وعسكرية لإخضاع اي طرف وجعله يشعر بأن كُلفة عدم القبول أو الاختلاف اعلى بكثير من كُلفة الخضوع والانسياق، لا سيَّما ان العالم كله يُشاهد جور المتكبر ويسكت عنه، وهذا لا يعتبر وقوفاً مع الحياد بقدر ماهو مُشاركة غير مباشرة في صناعة الظلم، ويمكن اعتبار صمت اهل الحق هو الوقود الفعال الذي يُغذي الظالم ويجعله مستمراً في غيهِ وبطشه، بل ويوقن أنه على حق.
حين يفترض كل رئيس دولةٍ وزعيم ومؤثر وكل صاحب حق بسكوته ان غيره سيبدأ في الكلام فإن الجميع سيقع في فخ الصمت المُتبادل، وهو تبرير للخوف المكتسب يلجأ معه من وجبت عليهم الكلمة الى ابتكار حججٍ تبدو منطقية مثل: هذا الوقت غير مناسب، أو تجنب الأحمق و عدم ضرورة الرد على السفيه، أو عدم امتلاك القدرة. وما تلك الحجج إلا تكيف اخلاقي مؤقت للتملص من المسؤولية بسبب الخوف، ولعل اشد درجات واقعنا العربي والإسلامي اليوم قسوةً هو تقبُّل من نعتقد صلاحهم تهديدات دونالد ترامب لسلطنة عمان بصيغة الأمر الواقع.
إن القوة الفردية لأصحاب الحق تصبح ضعيفةً امام قوة المستبد المُتنمِّر، ولكن اجتماع الجهود يكسر حاجز الخوف الجمعي ويفقد معه المستقوي اداة تهديده، وبهذا تُستعاد الإرادة ويتمكن المكره نفسياً ومادياً من ادراك ان كُلفة الخضوع الدائم اكبر بكثير من كُلفة المواجهة والمطالبة بنيل الكرامة المُستحقة، وليس بالضرورة أن تبدأ المواجهة الحقيقة للإستبداد والوصاية بمُشاحنة القوي، فمتى ما استيقظ اهل الحق من صمتهم عن اهل الباطل تهاوت ادواتهم، وتحجَّم طغيانهم وعمى بصيرتهم الناتج عن غياب الرادع الاخلاقي، وفي مثل هذه الأحوال لا يعتبر الصمت حكمة ولا الجهر بالحق تهوراً.


