ظفار وخريفها: بين الاستحقاق الهندسي والتمويل التنموي

نشرت :

عبدالله بن أحمد بن عبدالله بوذار

يُشكّل موسم الخريف في محافظة ظفار اختباراً سنوياً لكفاءة البنية التحتية وشبكات الطرق؛ حيث تُحوّل التدفقات السياحية الاستثنائية شرايين المحافظة إلى بؤر ضغط مروري متواصلة. ونحن إذ نُقدّر الجهود الاستثنائية لشرطة عمان السلطانية في فترة الخريف، إلى جانب الجهود الملموسة للجهات المعنية التي أثبتت نجاحاً ميدانياً في تنفيذ الجسور الحديثة مؤخراً والتي برهنت عملياً على جدواها في فك الاختناقات؛ فإن الواقع المروري يؤكد أن المساندة الفعلية لهذه الجهود تتطلب الحسم التنفيذي للمشاريع المؤجلة والمتأخرة، والتوقف الفوري عن اعتماد «النسق القديم» في المشاريع الجاري تنفيذها حالياً—والتي ما زالت تتكئ على الدوارات والإشارات الض الضوئية—والانتقال الجذري نحو استحقاق هندسي وحتمية تنموية تستوجب التحديث الشامل وفق أعلى معايير السلامة والانسيابية الدولية.

أولاً: المرجعية التنفيذية والجدولة الزمنية

ولضمان نجاح هذه التطلعات وتحويلها إلى واقع ميداني ملموس، فإن الشروع في تطبيق الاستحقاقات الهندسية يتطلب اعتماد خطة تنفيذية واضحة ترتكز على ثلاثة أركان أساسية:

  • تحديد الأولويات والحسم التنفيذي: ترتيب المشاريع وفق مصفوفة الاحتياج العاجل، والتعجيل بالحسم التنفيذي للمشاريع الحيوية المؤجلة، مع تعديل مخططات المشاريع القائمة والمستقبلية لتبتعد عن حلول الدوارات والإشارات السطحية، والتحول المنظم نحو الهندسة الحرة عبر تقاطعات متعددة المستويات (جسور ومحولات) تمنع ترحيل الاختناقات وتستوعب الكثافة العالية.
  • الاعتمادات المالية المرتبطة بالجانب الزمني: جدولة التدفقات المالية بروابط زمنية محددة ومناسبة لسرعة الإنجاز؛ لمنع تعثر المشاريع أو ترحيلها.
  • الوضوح والشفافية التخطيطية: إعلان الجداول الزمنية ومراحل التنفيذ الميدانية بوضوح لضمان التكامل بين الجهات الخدمية والهندسية ومتابعة الأداء.

ثانياً: معيار الاعتماد المالي (من الكثافة السكانية إلى حجم الضغط السياحي)

إن القفزة الهندسية المطلوب تحقيقها في شبكة طرق ظفار تتطلب تحولاً شجاعاً في فلسفة التمويل والاعتماد المالي المتبع رسمياً؛ إذ إن توفير المخصصات المالية الكافية هو المحرك الأساسي لتغيير تصميم المشاريع من النسق التقليدي إلى الهندسة الحرة. إن تطبيق الآليات الإدارية التقليدية التي تعتمد «الكثافة السكانية» كمعيار مالي أساسي لتوزيع الميزانيات التنموية لا يحقق الاستحقاق التنموي المنشود للمحافظة؛ إذ يُقيد قدرتها على تطوير بنيتها التحتية بما يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.

إن ظفار خلال موسم الخريف تتحمل مسؤولية وطنية وسيادية بالنيابة عن السلطنة بأكملها؛ حيث تستقبل أضعاف تعدادها السكاني في نافذة زمنية ضيقة، مما يشكل ضغطاً فائقاً على كافة شرايينها الخدمية والهندسية. ومن هذا المنطلق، أضحى من الضروري تعديل ميزان الاستحقاق المالي؛ بحيث يُقاس التمويل التنموي بـ «حجم التدفق المروري والسياحي الضاغط» و**«مكانة البلاد وسمعتها السياحية»**، مع قياس أعداد القاطنين فيها كعنصر مكمل لا كعنصر حصري منفرد. إن هذا التغيير التخطيطي وزيادة المخصصات هما الضمان المالي الوحيد لتمويل الاستحقاقات الهندسية وتنفيذها بأساليب عصرية مستدامة.

ثالثاً: المحاور الاستراتيجية والاستحقاقات الهندسية العاجلة

  • المنفذ الاستراتيجي والربط الوطني: التعجيل باستكمال ازدواجية المقاطع المتبقية من الشريان البري الرئيسي (أدم – ثمريت – صلالة)؛ باعتباره المنفذ الاستراتيجي والخط الأول لسلامة وانسيابية تدفق الزوار والمواطنين.
  • الأولويات الميدانية والمشاريع الحيوية بقلب صلالة: إعطاء أولوية تنفيذية عاجلة لمنظومة المشاريع الحيوية المرتبطة ببعضها، وعلى رأسها: مشروع بناء طريق الكورنيش، ومعالجة دوار النهضة، وإعادة هندسة تقاطع إشارات مكتب المحافظ؛ لضمان انسيابية الحركة في الشرايين الرئيسية للمدينة وفك التكدس المركزي.
  • تطوير المحاور الرئيسية ومعايير الأمان والسلامة المرورية: توسعة الطرق الدائرية والرئيسية، وتعميم الحواجز الخرسانية الفاصلة بين الاتجاهين في السهول والمرتفعات، وتنفيذ معابر علوية وسفلية للمشاة والمواشي، مع رفع كفاءة وتوسعة المعابر الصندوقية (العبّارات) في المسارات الحرجة لضمان استيعاب الأودية خلال الأنواء المناخية ومنع انقطاع الحركة، والحسم الهندسي لعقبة حمرير عبر مشروع الجسور والبدائل الهندسية، وتزويد الطرق المرتفعة بأنظمة إضاءة الضباب والمواقف الآمنة.
  • النقل الجماعي الترددي والحلول المستدامة: تفعيل منظومة النقل الترددي التفاعلي عبر المواقف المجمعة بتخصيص حافلات لنقل الزوار مباشرة إلى مختلف العيون المائية والمزارات السياحية المكتظة (مثل عين دربات، المغسيل، وسهل أتين)، مع تخصيص مسارات دخول وخروج مستقلة لتخفيف التكدس المروري.
  • المرور الذكي والإسناد المؤسسي: دمج أنظمة النقل الذكية (كالشاشات الإلكترونية التفاعلية والتوجيه المروري الرقمي) لتوجيه الحركة لحظياً، بما يساند بفاعلية العبء الميداني والمسؤولية القصوى الملقاة على كاهل شرطة عمان السلطانية والجهات الرسمية المعنية.

إن الإسراع في تخصيص الميزانيات اللازمة ومراجعة تصميم المشاريع الحالية للتخلي عن النسق القديم يضمن حماية الخزينة العامة من نزيف الإنفاق المتكرر على التعديلات والحلول المؤقتة وما يرافقها من كُلف إزالة وإعادة تهيئة عناصر البنية التحتية والتجميلية. والأهم من ذلك أن هذا التحول الهندسي يحقق الغاية الأسمى والوطنية الكبرى في حفظ الأرواح وحقن الدماء على الطرق الحيوية والجبلية. إن تعزيز انسيابية وشبكات طرق ظفار ينعكس مباشرة على ترسيخ سمعة سلطنة عُمان كوجهة سياحية عالمية آمنة ومتحضرة، ويصنع بيئة جاذبة للاستثمار تُعظم المردود الاقتصادي وتدعم توجهات التنويع التنموي الشامل في البلاد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img