غدًا، السبت، تحط رحلتي في صلالة، محافظة ظفار؛ تلك الأرض التي تفوح من ذاكرتها رائحة اللبان، ويصعد من جبالها عبق البخور، وتختزن في تضاريسها حكاياتٍ موغلة في الزمن.
أذهب إليها وفي القلب شوقٌ لا تخفيه المسافات؛ شوقٌ لمعانقة الأصدقاء، وللجلوس معهم في حضرة الطبيعة الساحرة، في ظفار الكرم، حيث للقاء معنى آخر، وللجمال لغة لا تحتاج إلى ترجمان.
في ظفار، لا نلتقي بالأصدقاء فقط، بل نلتقي بالجمال في صوره المتعددة؛ جمال الإنسان حين يفتح قلبه، وجمال الطبيعة حين ترتدي ثوبها الأخضر، وجمال المكان حين يستعيد ذاكرته تحت المطر.
هناك، بين الغابات الوارفة، وعلى سفوح الجبال، وتحت رذاذ الخريف، نمضي في دروبٍ تشبه الحكايات القديمة. نتجول بين الأمكنة التي لم يغادرها الزمن تمامًا، ونصغي إلى صمت الجبال، وإلى همس الأشجار، وإلى رائحة اللبان وهي تعبر المكان كأنها ذاكرةٌ عطرة جاءت من أعماق التاريخ.
صلالة ليست مدينةً نصل إليها ثم نغادرها؛ إنها حالة من الدهشة. مكانٌ يترك في الروح أثرًا يشبه أثر المطر على الأرض العطشى، ويمنح العين صورًا لا تكتفي بمشاهدتها، بل ترغب في الاحتفاظ بها.
ولأنني فنان، فإنني لا أريد أن أمرّ بالمكان عابرًا؛ أريد أن أراه بعين الفنان، وأن ألتقط ما بين التفاصيل من جمال، وما وراء المشهد من حكاية. نكتب ذاكرة المكان، ونصورها، ونحملها معنا إلى العالم، ليراها الآخرون من نافذة الفن، ويكتشفوا أن للجمال أوطانًا كثيرة، وأن لبعض الأمكنة قدرةً عجيبة على أن تسكن القلب من اللقاء الأول.
غدًا تبدأ الرحلة، وقد تكون صلالة هي التي تستقبلني، لكنني على يقين أن ذاكرة اللبان هي التي ستقود خطاي بين الجبال والغابات ورذاذ المطر.
إلى ظفار الكرم…
إلى الأصدقاء…
إلى المطر والجبال واللبان…
إلى ذاكرة مكانٍ ما زال يكتب حكايته على مهل، ونحن نأتي لنقرأها بعيون فنان.
الفنان التشكيلي والرحالة
عبد العظيم الضامن


