د. محمد بن عوض المشيخي **
تخضع الترقيات والحصول المناصب في أي بلد في العالم لسياسات إدارية ومالية معقدة وغير ثابته تختلف من دولة إلى أخرى؛ إذ هي مرهونة في كثير من الاحيان بالشواغر والامكانيات المالية المختلفة لكل نظام اقتصادي، كما إنها تخضع لتقديرات جهات العمل والمسؤولين الكبار الذين يعتقد البعض بأنه لا يعنيهم في الكثير من الاوقات حقوق الموظفين الصغار والمتمثلة في الترقيات والحصول على المكانة المناسبة حسب المؤهلات الدراسية والاقدمية والتميز في الأداء؛ وذلك انطلاقا من الحقوق والواجبات التي كفلها الدستور للجميع.
هناك من يعتقد من بعض المُنظِّرين أن القطاع المدني غير منتج بالأسلوب المثالي في العمل، بل هناك من يصف أصحاب “الياقات البيضاء” بأنهم مترهلين؛ وتناسوا هؤلاء بأن التحدي الأكبر هو في النظام التعليمي الذي تشرف عليه الحكومة وتعمل على تكريسه في مختلف المؤسسات التعليمية والتدريبية، وكذلك في طريقة بناء الهياكل التنظيمية للمؤسسات؛ كما أن السياسات المتبعة في السلم الوظيفي للوظيفة العامة، قد تكون سببا لتلك المشكلة. وبالتالي الموظف هو ضحية لتلك القرارات والاستراتيجيات التي هي في الأساس مستوردة من دول أخرى ولم تكن ناجحة في موطنها الأصلي؛ وذلك في جعل القطاع المدني يلامس طموحات المجتمع.
صحيحٌ أن هناك فئات كثيرة منتجة وملتزمة بالدوام وفق الساعات المحددة في المدارس الحكومية والمستشفيات العامة لكونها في الصدارة ولا تجد سبيلًا للغياب؛ كالمُعلِّمين الذين يتولون رسالة تعليم الأجيال وكذلك الأطباء الذين يعالجون الناس على مدار الساعة وحتى في أيام الإجازات.
وحول حقيقة ما يحدث من إجراءات في ملف الترقيات يقول أحد المُعلِّمين في وزارة التعليم أنه تعيَّن في 2013 ولم يحظَ بالترقية إلا في مطلع 2023، أي بعد عشر سنوات تقريبًا، وهو الآن لا يتوقع أي ترقية في العمل في المستقبل بسبب نظام “إجادة” الذي تم ادخاله في السنوات الاخيرة بهدف تقليل وتحجيم الترقيات في قطاع الخدمة المدنية وحصرها في التقييم، الذي هو في الأساس قائم على ما يعرف بنظام “الكوتة” أي نسبة معروفة من الذين يسجلون أداءً مميزًا في التقرير. وقد لا يعكس ذلك التقرير التميز والحقيقة على أرض الواقع في بعض الأحيان. بينما يقول موظف آخر أنه تعيَّن منذ 17 سنة ولم يحصل على ترقية إلّا مرة واحدة، على الرغم من أنه حقق امتياز في التقييم الخاص بالعمل والذي هو مرتبط بمنظومة قياس الأداء “إجادة” أكثر من مرة.
من هنا أُجزم بأن ترقية الموظف حق مكتسب؛ بل واجبة للجميع، خاصة في مرحلة ارتفعت فيها الأسعار والتضخم وتعددت الضرائب التي أثقلت كاهل الجميع في بلد نفطي يُسجِّل بين وقت وآخر فوائض في الموازنات المالية، بجانب عائدات مليارية لجهاز الاستثمار العُماني والتي بلغت العام الماضي نحو 2.9 مليار ريال عُماني، والأهم من ذلك ارتفاع اسعار النفط العُماني خلال شهور أزمة مضيق هرمز إلى مستويات قياسية؛ حيث بلغ سعر النفط العُماني في بعض الأيام 170 دولارًا؛ بينما كان سعر المقدر لموازنة السنة الحالية 2026 هي 60 دولارًا للبرميل فقط.
إنَّ ما يشعر فيه قطاع الخدمة المدنية من عدم الرضا في الترقيات والتسكين في الوظائف الإدارية يُعبِّر عنه بوضوح الكثير من القضايا التي تذهب للقضاء الاداري المرفوعة من العاملين في هذا القطاع الذي يبلغ عدد منتسبيه من العُمانيين أكثر من 392 ألف موظف، وتلك المرافعات القضائية تعكس ما يعتبرونه تجاوزات من مسؤوليهم؛ إذ هناك من يعتقد أن المحاباة وسياسة الكيل بمكيالين في التسكين في الوظائف الإدارية كالمديرين والخبراء قد تكون حاضرة في بعض القضايا التي تم الفصل فيها من القضاء العُماني الذي نُحسِن الظن فيه دائمًا.
ومن المفارقات العجيبة أن الشهادات العلمية التي يحصل عليها الموظف وهو على رأس العمل لا يتم التعامل معها بجدية في كثير من الوزارات؛ بل هي غير ملزمة للجهات الحكومية بترقية الموظف؛ فالمسألة تخضع للكثير من القيود والتحديات التي تجعل المجيد والمتميز في ميادين العلم يشعر بالمرارة بسبب إهمال الإنجاز العلمي الذي حصل عليه.
وفي الختام.. تأتي هذه الدعوة لترقية جميع المستحقين في القطاع المدني لصناع القرار في هذا البلد العزيز بعد مرور سنوات صعبة تم فيها ضبط الدين العام وتطبيق سياسات تقشفية حازمة من خلال ما يعرف بخطة “التوازن المالي” الذي نتج عنها انخفاض الدين العام إلى ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة؛ مما جعل ذلك نجاحًا فريدًا غير مسبوق لبلدنا في تطبيق سياساتها الاقتصادية التي أبدعت القيادة العُمانية في إدارتها بحكمة واقتدار بقيادة جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- وذلك كانعكاس للأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم منذ 2016. ومن الأنباء المفرحة لنا جميعا تقديرات صندوق النقد الدولي بأن ينجح الاقتصاد العُماني في تسجيل نمو بنسبة 3.5 بالمائة في عام 2026، متقدمًا بذلك على جميع دول الإقليم.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري


