بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤال تركناه معلّقًا عمدًا:
من رسم الخط الذي إذا تجاوزته وُصمت، وإذا بقيت خلفه اعتُبرت سويًا؟
يروي المؤرخ الفرنسي ميشيل فوكو مشهدًا من التاريخ الأوروبي، قبل قرنين تقريبًا.
رجل يتحدث بصوت مرتفع في الشارع. يضحك دون سبب واضح للمارّة. يرى أشياء لا يراها غيره.
في زمن ما، بحسب رواية فوكو، كان هذا الرجل يُحمل إلى الكنيسة لطرد الأرواح.
وفي زمن آخر، إلى الميدان العام، حيث يُنظر إليه كمشعوذ أو مهرّج القرية.
وفي زمن ثالث، إلى مستشفى، حيث يحمل اسمًا مختلفًا تمامًا: مريض.
لم يتغيّر الرجل.
لم يتغيّر سلوكه.
الذي تغيّر، في تحليل فوكو، هو من يملك حق تسميته.
وهنا أتوقف لحظة عن نقل تحليل فوكو، لأضيف ملاحظة من عندي، خارج نصه تمامًا.
فوكو يصف تاريخ أوروبا تحديدًا. لكن حضارتنا نحن سلكت، في فترات طويلة من تاريخها، طريقًا مختلفًا جوهريًا.
لم يُحمل من فقد اتزانه العقلي في بغداد أو دمشق أو القاهرة إلى مكان لطرد الأرواح؛ كان يُحمل إلى البيمارستان — وهو، بشهادة من درسوا تاريخه، أقرب إلى المستشفى العلاجي منه إلى أداة عزل وعقاب. أنشأ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك واحدًا من أقدم هذه المستشفيات في دمشق مطلع القرن الثامن الميلادي، وتبعه لاحقًا بيمارستانات في بغداد وغيرها، عولجت فيها الأمراض النفسية بوصفها علّة تستحق الرعاية، لا وصمة تستدعي الحجز.
لا أقول هذا لأزعم أن تاريخنا كان خاليًا من أشكال أخرى للسلطة والتصنيف؛ تلك مسألة تحتاج بحثًا منفصلًا لا مجالًا هنا لاختزاله.
لكنها تعني شيئًا واحدًا مهمًا لحجة هذا المقال بالذات: خط “الطبيعي” ليس قدرًا واحدًا يتكرر في كل مكان بالضرورة.
إنه قرار. يختلف باختلاف من يملك السلطة، وباختلاف الحضارة نفسها.
السؤال الذي لا يسأله أحد
في المقالين السابقين سألنا: من علّمنا أن نسمّي ما بداخلنا؟ ومن كتب أدوارنا؟
كانت الإجابة، في الحالتين، إجابة اجتماعية: الأسرة، المدرسة، من حولنا.
لكن هناك سؤالًا أعمق لم نطرحه بعد.
حين يقول المجتمع إن هذا “طبيعي” وذاك “منحرف”، من أين استمد المجتمع نفسه حق إصدار هذا الحكم؟
من قال إن هناك خطًا أصلًا؟
ومن يملك يده التي رسمته؟
ولماذا تهمنا رواية فوكو هذه تحديدًا؟
لأنه لم يهتم بالإجابة عن “ما هو الجنون؟” أو “ما هي الجريمة؟”.
اهتم بسؤال أخطر: كيف تحوّلت هذه الكلمات نفسها، عبر التاريخ، من وصف إلى أداة ضبط؟
فوكو لم يكتب تاريخًا للمرضى. كتب تاريخًا لكيفية اختراع فكرة “المريض عقليًا” نفسها، وكيف ارتبطت نشأة هذا التصنيف — في تحليله — بحاجة المجتمع إلى الفصل بين من يُدار داخل المؤسسة ومن يُترك حرًا خارجها.
والفكرة الأعمق عنده ليست أن هذه التصنيفات “كاذبة”.
الفكرة أن التصنيف نفسه فعل سلطة، لا وصف حياد.
حين يُقال إن سلوكًا ما “غير طبيعي”، فهذا الحكم لا يهبط من السماء.
إنه يخرج من مؤسسة، أو عصر، أو ثقافة، قررت أن هذا هو الخط، وأن كل من يقف خارجه يحتاج تدخلًا.
العين التي لا تنام
لكن فوكو لم يكتف بهذا. ذهب إلى فكرة أكثر إزعاجًا في كتابه عن السجن والعقاب.
وصف تصميمًا معماريًا قديمًا لسجن دائري، تقف في مركزه برج مراقبة واحد، بحيث يستطيع الحارس رؤية كل سجين، دون أن يعرف السجين متى تحديدًا يُراقَب.
النتيجة؟ يبدأ السجين بمراقبة نفسه، حتى حين لا يوجد حارس فعليًا في البرج.
واستخدم فوكو هذه الصورة ليقول شيئًا عن المجتمع كله، لا عن السجون فقط.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى من يراقبنا فعليًا كي نضبط أنفسنا.
يكفي أن نعرف أن المراقبة *ممكنة*.
فنبدأ نحن، بأيدينا، في التحوّل إلى حراس على أنفسنا.
أعد الآن قراءة “أنا هكذا” التي بدأنا بها في المقال الأول.
كم منها لم يكن اختيارًا؟ بل كان… انضباطًا مسبقًا، تجنبًا لعين لم ترك قط، لكنك تصرفت طوال حياتك وكأنها تراقبك؟
حين يصبح الاختلاف “عيبًا” يحتاج علاجًا
هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا، وإلا انزلقنا إلى فكرة خطيرة بقدر ما هي مغرية.
لا يعني هذا أن كل معاناة نفسية هي مجرد “وصمة اجتماعية” يجب إسقاطها.
الألم حقيقي. المرض حقيقي. الحاجة إلى العلاج حقيقية.
لكن السؤال الذي يفتحه فوكو مختلف: من قرر أن هذا الألم بالذات هو “انحراف” يحتاج تصحيحًا، بينما ذاك الألم يُعتبر “حساسية” تستحق التقدير؟
لماذا يُوصف رجل يبكي بسهولة بأنه “ضعيف” في ثقافة، و”صادق مع مشاعره” في أخرى؟
لماذا كانت صفات معينة تعني “الجنون” في قرن، ثم أصبحت تُدرَّس في الجامعات كعبقرية في قرن آخر؟
الخط نفسه تحرك.
الإنسان الذي وقف خلفه لم يتحرك.
من يحمل الفرشاة الآن؟
وهنا أتوقف عن نقل تحليل فوكو، وأطرح سؤالي أنا.
فوكو تحدّث عن الكنيسة والمصحّة والسجن. لم يكتب حرفًا واحدًا عن الخوارزميات؛ فهو تحليل يخصّ عصرًا سبق ظهورها. لكن إطاره — من يملك حق تعريف “الطبيعي”؟ — يبقى صالحًا لأسأله بنفسي عن عصرنا نحن.
فأسأل: من يرسم الخط في عصرنا نحن؟
لم تعد مؤسسة واحدة تملك هذا الحق وحدها — لا مؤسسة دينية، ولا الطبيب وحده، ولا حتى الدولة وحدها.
هناك اليوم أنظمة جديدة تمامًا تشارك في تعريف “السوي”: ماذا يجب أن يبدو عليه الجسد الناجح. كيف يجب أن تبدو العلاقة السليمة. ما هو مستوى “الوعي النفسي” المقبول اجتماعيًا. متى يُصنَّف شعورك بأنه “طبيعي” ومتى يُصنَّف بأنه “يستدعي انتباهًا”.
ومن يرسم هذا الخط اليوم ليس مؤسسة واحدة تستطيع أن تُحاسَب أو تُناقَش.
إنه نظام موزّع، لا مركز واضحًا له.
وهذا بالضبط ما يجعل السؤال التالي أخطر من كل ما سبق:
إذا كان من يحدد ما هو “طبيعي” اليوم ليس شخصًا يمكنك مواجهته، بل نظامًا لا وجه له يعيد تشكيل معرفتك بنفسك كل يوم عبر ما يعرضه أمامك…
فهل ما زلت تكتشف نفسك؟
أم أن هناك من يكتبها لك، بوتيرة أسرع بكثير مما كتبها المجتمع التقليدي عبر أجيال؟
هذا ما سنفتحه في المقال القادم.
المراجع
1. Michel Foucault, History of Madness (Histoire de la folie à l’âge classique), 1961، في نشأة تصنيف “الجنون” ومؤسسة الحجز بوصفها فعلًا اجتماعيًا وسلطويًا لا وصفًا طبيًا محايدًا.
2. Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, 1975، في تحليل السجن البانوبتيكوني (المستعار أصلًا من تصميم جيريمي بنتام المعماري) وفكرة المراقبة الذاتية والتطبيع (normalization).
3. يُنصح بعدم الخلط بين الكتابين عند الاستشهاد: الأول عن تاريخ الجنون تحديدًا، والثاني عن آليات الانضباط والمراقبة في المؤسسات عمومًا (السجن، المدرسة، الجيش، المصنع).
4. أحمد عيسى، تاريخ البيمارستانات في الإسلام، مؤسسة هنداوي (مصدر تاريخي حول نشأة البيمارستانات ونظامها). تاريخ التأسيس الدقيق لأول بيمارستان محل خلاف بين المؤرخين (يُنسب أحيانًا للوليد بن عبد الملك في دمشق مطلع القرن الثامن الميلادي، وأحيانًا لبيمارستان هارون الرشيد في بغداد)؛ لذلك اعتُمدت صياغة “واحدًا من أقدم” تفاديًا للجزم. ملاحظة لغوية: “بيمارستان” كلمة فارسية الأصل لا عربية (بيمار = مريض، ستان = دار/مكان)، دخلت العربية عبر الاحتكاك الحضاري في العصر العباسي — وهذا الانتقال نفسه، من حضارة إلى أخرى مع تغيّر من يديرها، مثال إضافي على موضوع هذا المقال.
5. مقال “نظرة إلى الجنون بين الموروث الإسلامي والغربي”، الجزيرة نت، في المقارنة بين تعامل الحضارة الإسلامية مع الجنون بوصفه علة طبية، وتعامل أوروبا معه عبر الحجز المؤسسي.


