من أين جاءت الكلمات التي نفهم بها أنفسنا؟
بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤالين معلّقين:
هل ما زلت تكتشف نفسك؟
أم أن هناك من يكتبها لك، بوتيرة أسرع بكثير مما كتبها المجتمع التقليدي عبر أجيال؟
ربما دخلت كلمة واحدة إلى حياتك يومًا، دون أن تنتبه.
في البداية كانت مجرد مصطلح سمعته عابرًا.
ثم أصبحت وصفًا.
ثم تفسيرًا.
ثم، شيئًا فشيئًا، صارت الطريقة التي تنظر بها إلى نفسك وإلى من حولك.
“قلق التعلق”. “النرجسية”. “العلاقة السامة”. “الحدود”. “استجابة صدمية”.
كلمات تبدو أحيانًا وكأنها مفاتيح تفتح لك بابًا مغلقًا في داخلك.
لكن ماذا لو كان المفتاح نفسه هو الباب الذي لم تعد تستطيع الخروج منه؟
ومن أين أتتك هذه الكلمات بالذات؟
الكلمة التي تسبق الشعور
الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين كتب جملة قصيرة صارت من أشهر جمل الفلسفة: “حدود لغتي تعني حدود عالمي.”
لم يقصد بها أن اللغة تصف العالم فحسب.
قصد أن اللغة تحدّه. ما لا تملك كلمة له، تصعب عليك رؤيته أصلًا. وما تملك كلمة جاهزة له، تراه في كل مكان، حتى حين لا يكون موجودًا بالضرورة.
والآن اربط هذا بما بدأنا به المقال الأول: نسمي الخوف حذرًا، ونسمي التملك حبًا.
كان السؤال هناك: هل الاسم الذي اخترناه دقيق؟
السؤال هنا أعمق: من أين أتت قائمة الأسماء المتاحة أمامنا أصلًا كي نختار منها؟
قبل سنوات ليست بعيدة، لم تكن هذه المفردات متداولة في لغتنا اليومية بهذا الشكل. بعضها له تاريخ بحثي يمتد عقودًا في الأدبيات النفسية المتخصصة — “التعلق القلِق” مثلًا مصطلح راسخ في علم النفس التنموي منذ زمن طويل. الجديد فعلًا ليس المصطلح نفسه، بل انتقاله إلى حديثنا اليومي على هذا النطاق، وهو ما غيّر — عند كثيرين — الطريقة التي يصفون بها تجاربهم.
ولا أنسب ما سأقوله الآن إلى فيتغنشتاين تحديدًا؛ فهو لم يتحدث عن المشاعر بهذه الصورة إطلاقًا، بل عن حدود اللغة والفكر والعالم. لكن فكرته تفتح سؤالًا يتجاوز نصّه: ماذا يحدث لتجربة داخلية حين نعثر لها أخيرًا على اسم؟ هل نكون قد اكتشفنا شيئًا كان موجودًا فينا طوال الوقت، أم منحناه إطارًا جديدًا نراه من خلاله من الآن فصاعدًا؟
من يقرر أي كلمة تصلك؟
ننتقل الآن من فيتغنشتاين إلى سؤال معاصر تمامًا.
الكاتب الأمريكي إيلي باريزر صاغ عام 2011 مصطلحًا صار شائعًا: “فقاعة الترشيح” (Filter Bubble). فكرته أن الخوارزميات التي تنظّم ما تراه على الإنترنت لا تعرض لك العالم كما هو، بل تعرض لك نسخة مصمَّمة خصيصًا بناءً على ما تفاعلت معه سابقًا، بحيث يمكن أن تضيق دائرة المعلومات التي يصل إليها المستخدم دون أن يشعر.
والنتيجة التي تهمنا هنا ليست ما قاله باريزر حرفيًا — فهو كتب عن الأخبار والسياسة أساسًا — بل ما يمكن أن نفكر فيه انطلاقًا من آلية التخصيص نفسها: إذا كانت المنصة تكرر للمستخدم المحتوى الذي يتفاعل معه، فقد يبدأ الإطار الذي يفسر من خلاله تجربة ما في اكتساب حضور أكبر من أطر أخرى لم تُعرض عليه بالقدر نفسه.
حين تتعلم أنظمة التوصية من سلوك المستخدم، فإنها تزيد من احتمال عرض محتوى مشابه لما سبق أن تفاعل معه؛ وبذلك قد يجد المستخدم نفسه داخل بيئة معرفية يكثر فيها تفسير واحد للتجربة على حساب تفسيرات أخرى — وهذا امتدادي أنا للفكرة نحو المفردات النفسية تحديدًا، لا نص باريزر نفسه.
فترى عشرات المقاطع عن “التعلق القلِق”، فتبدأ في تفسير علاقتك كلها من خلاله.
وترى محتوى عن “النرجسية”، فتبدأ في رؤيتها في كل من يختلف معك.
والمشكلة ليست أن هذه المفاهيم خاطئة بالضرورة؛ بعضها له جذور بحثية حقيقية حين يُستخدم بدقة، بينما يفقد بعضها الآخر دقته حين يتحول إلى وصف شعبي متداول. المشكلة أن الخوارزمية لا تفرّق بين الحالتين: النظام الخوارزمي لا يملك، في الأصل، معيارًا معرفيًا يقرر به أن مصطلحًا أدق من غيره؛ إنه يتعلم من أنماط التفاعل، ولذلك قد يواصل عرض محتوى مشابه لما سبق أن جذَب انتباهك، سواء كان هذا المحتوى دقيقًا أو مبسّطًا أو مضللًا.
حين تصبح الصورة أهم من الأصل
في المقال الأول، ذكرنا عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار وتحليله لمجتمع الاستهلاك: أن الأشياء لا تُستهلك لمنفعتها وحدها، بل بوصفها علامات على مكانة وهوية.
لكن بودريار ذهب، في عمل لاحق له، إلى فكرة أكثر تطرفًا.
في كتابه “المحاكاة والمحاكاتية” (Simulacra and Simulation)، طرح أن المجتمعات المعاصرة تعيش أحيانًا في نسخ عن الواقع — صور، تمثيلات، عروض — أصبحت هذه النسخ نفسها هي التي نتعامل معها، لا الواقع الذي كانت تمثّله أصلًا. سمّى هذه الحالة “الواقع المفرط” (hyperreality): حين تصبح الصورة أكثر حضورًا من الشيء الذي صُوِّرت عنه.
وهنا أطرح سؤالي أنا، خارج نص بودريار: ماذا لو كان هذا لا ينطبق على المدن والإعلانات فقط، بل على صورتك عن نفسك؟
الصورة التي تنشرها عن حياتك.
الجملة التي تكتبها لتصف “رحلتك في الشفاء”.
الطريقة التي تروي بها قصتك لنفسك، متأثرة بأسلوب رواية رأيته مئة مرة عند غيرك.
في لحظة ما، قد تصبح هذه الصورة — لا التجربة الفعلية التي عشتها بصمت — هي النسخة التي تصدّقها عن نفسك.
حين يتحول شفاؤك إلى منتج
وهناك طبقة أخيرة، وهي الأخطر في نظري.
عالمة الاجتماع الإسرائيلية إيفا إيلوز درست، في كتابها “إنقاذ الروح الحديثة” (Saving the Modern Soul)، كيف أصبحت لغة العلاج النفسي حاضرة في كل مكان في الثقافة المعاصرة — من المسلسلات إلى برامج التوك شو إلى أعمدة النصائح — وكيف تحوّلت هذه اللغة إلى ما تسميه “الخطاب العلاجي”: طريقة كاملة لفهم الهوية والعلاقات والذات، لا مجرد أداة سريرية.
ملاحظتها الأهم أن هذا الخطاب لم ينتشر بمعزل عن الاقتصاد؛ بل تشابك مع صناعات كاملة — كتب، برامج، محتوى — تبيع لك أدوات “لفهم نفسك”.
أتوقف هنا عن نقل تحليل إيلوز لأسأل سؤالي أنا: ماذا يحدث حين تصبح معرفتك بنفسك سلعة تشتريها بدل أن تكون شيئًا تكتشفه؟
حين يتحول “الوعي بالذات” نفسه إلى منتج يُباع لك، فمن مصلحة من أن تشعر دائمًا أن هناك شيئًا جديدًا فيك يحتاج “اكتشافًا” أو “شفاءً”؟
لا أقول هذا لأشكك في كل من يبحث عن فهم أعمق لنفسه؛ تلك حاجة إنسانية حقيقية، وسبق أن بنينا عليها هذه السلسلة بأكملها.
أقوله لأن السؤال يستحق أن يُطرح: متى يكون بحثك عن نفسك بحثًا حقيقيًا، ومتى يكون استهلاكًا لصورة عن “البحث عن النفس” باعها لك سوق كامل؟
فلنجمع خيوط هذا المقال.
اللغة التي تصف بها نفسك ليست محايدة؛ لها حدود، وهذه الحدود ليست من صنعك وحدك.
والخوارزميات لا تكتفي بعرض ما تحب؛ تكرر لك إطارًا تفسيريًا حتى يبدو العالم كله مطابقًا له.
والصورة التي تبنيها عن “شفائك” أو “وعيك” قد تحل، دون أن تشعر، محل التجربة الفعلية التي كانت وراءها.
وهذا كله قد يتحول إلى سوق تشتري منه أدوات فهم ذاتك، بدل أن تكتشفها بصمت.
اللغة تؤطر ما أستطيع قوله عن نفسي.
والخوارزمية تؤثر في ما يصل إلى مجال رؤيتي.
والصورة قد تحل محل التجربة التي وراءها.
والخطاب العلاجي يمنحني قاموسًا كاملًا لفهم مشاعري، لم أختره أنا وحدي.
فكم من صورتي عن نفسي اكتشاف حقيقي، وكم منها بناء منحني إياه آخرون دون أن أنتبه؟
ربما لا يكون أخطر ما يحدث للإنسان أن يُقال له من يكون.
الأخطر أن يتعلم أن يقول ذلك لنفسه.
عندها لا تعود المشكلة في أن أحدًا كتب قصتنا نيابة عنا؛ بل في أننا قد نواصل كتابتها بالقلم نفسه الذي وُضع في أيدينا، دون أن نسأل يومًا: من اختار الحبر؟
وربما يكون السؤال الأصعب من كل ما سبق ليس: من أنا؟
بل: من أين جاءت الإجابة التي أكررها كلما سألت نفسي هذا السؤال؟
المراجع
1. Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico-Philosophicus, 1921، القضية 5.6: “Die Grenzen meiner Sprache bedeuten die Grenzen meiner Welt” (حدود لغتي تعني حدود عالمي).
2. Eli Pariser, The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You, 2011، في مفهوم “فقاعة الترشيح” وأثر الخوارزميات على ما يصل إلينا من معلومات. ملاحظة: تطبيق هذا المفهوم على المفردات النفسية والعاطفية امتداد من عندي، وليس جزءًا من أطروحة باريزر الأصلية التي تناولت الأخبار والسياسة بشكل أساسي.
3. Jean Baudrillard, Simulacra and Simulation, 1981، في مفهومي “المحاكاتية” (simulacra) و”الواقع المفرط” (hyperreality).
4. Eva Illouz, Saving the Modern Soul: Therapy, Emotions, and the Culture of Self-Help, 2008، في تحليل انتشار “الخطاب العلاجي” في الثقافة المعاصرة وتشابكه مع صناعات السوق. ملاحظة: السؤال عن “شراء الوعي بالذات كسلعة” صياغة من عندي مبنية على تحليلها، لا نصًا حرفيًا منها.


