الليونة تهزم الخشونة

نشرت :

ماجد المرهون

العنوان هو مثل صيني قديم واقتبسته في حضرة الحجر الصلد عند زيارتي لمهرجان ظفار الدولي للنحت، فرأيت كيف يُبعث اللين من قلب الصلابة ويولد الفن من رحم القسوة.

تنكمش جلمودية المادة أمام سيادة الفكرة وهيبة العشق، وبقدر ما النحت على الحجر هو حرفة يدوية تعتمد على الإزميل والمطرقة والآلة، بقدر ما هو حوار صامت سريالي يتجاوز ابعاد المكان والزمان؛ إنه طقس روحاني يتلاقى فيه صبر الإنسان الأبدي مع تجسيد الخلود لعاطفته، حيث تتحول الصخرة الصمّاء إلى كائن ينبض بالحياة وكأنما يُنزع التشخيص من واقع الحجر العشوائي إلى التجريد الخيالي ولكن بشكل مُنظَّم يهمس بأسرار الفنان ويستعرض ملامح الإبداع، و”النحت هو فن التعبير عن المساحة وتجسيد الحركة عبر الضوء والظل في المادة الصامتة” كما قال اوغست رودان.

تنسكب مشاعر النحات على حواف الصخر كابتهالات الناسك الطويلة في محرابه، فلا يراه سجناً وتقييدًا بل تجلياً لطيفاً يُحاصِر تمثالاً ينتظر الإفراج عنه وليس عائقاً صلباً في قطعة صلدة، أو كما قال مايكل انجيلو: رأيتُ الملاك في قطعة الرخام، وظللتُ أنحت حتى حررته.

لقد شاهدت كيف تبدأ الرحلة بنظرة ثاقبة وتخطيط عميق؛ يحمل معه الفنان في مخيلته رؤية حية، يقرأ خلالها عروق الحجر الخارجية حروفاً وتضاريسه الداخلية كالكلمات، ويضع النقط ويرسم التشكيل مع كل ضربة ازميل، إنها لحظات حدسٍ ينظر فيها النحات إلى المادة الخام وهي تحاوره فيتجلى له نور الإهتداء من خلال ذلك الحديث السري والملمس المُطمئن، محرراً التخطيط من مجرد افكار في عقله وأشكال هندسية إلى خارطة طريق شغفه الساكن المُتفجر، “وما الصخرة إلا روح نائمة تنتظر اليد التي تثير فيها الحياة بتناغم العشق والصبر” بحسب تعبير جبران خليل جبران.

يتكشف في هذا المضمار الصبر كأعظم فضائل النحتات وأكثرها إجلالاً لكنه لا يعيشه كعبء أو مشقة، ولا كصبر المُكره الذي لا حول له ولا قوة، بل كممارسة يملؤها العشق والمحبة مع ترقب النتيجة، وبما أن التعامل مع الصخر يتطلب أناةً تفوق وصف ما يعتقده معظم الناس، وساعات طويلة من الانضباط، فإن ضربة مطرقةٍ غير محسوبة قد تؤدي إلى هدر جهد أيام كاملة وهي طعنةٍ في ضمير النحات وذلك افظع كوابيسه.

يبدو أن الحب هو الكيمياء السحرية التي تتطلب تضحية المقاومة الشديدة للحجر وتقع هذه التضحية بين التعاطف والشراكة، لتخضع اعتى الصخور واعندها في يد الفنان وتلين، فتتلاشى القسوة تدريجياً ويبدو الحجر تحت مطرقته بالغ المرونة، ويطاوع اناملهُ في غضاضة الصلصال حتى يتمخض من صميم الجفاء تصميم ناعم الانحناء، ويخرج الملمس المخملي المُزدان من أصلاب الصوان.

يتجاوز فن النحت التشكيل البصري ليصبح عملية تخليد للأثر الإنساني العابر للزمن؛ ففي الوقت الذي تفنى فيه الأجساد وتتغير فيه ملامح الأماكن، يبقى الحجر المنحوت شاهداً ثابتاً عبر الأجيال والقرون؛ ينقل معه أنفاس الفنان ودفء أصابعه وفكره الخلاق ولهفة قلبه التي استقرت في أعماق الصخر وإلى الأبد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img