معمر بن عوفيت الشحري ***
يبدو أن التدوير الوظيفي اختفى… بينما أصبحت «إجادة» حاضرة في تفاصيل الحياة الوظيفية.
وبين هذا وذاك، يقف الموظف أمام منظومة إدارية جديدة والتي تم تفعيلها في 2 يناير 2022 م تقيس الأداء والإنجاز، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى فرص حقيقية للتطوير واكتساب الخبرات.
ومن الإنصاف القول إن «إجادة» ليست محل اتفاق كامل بين الموظفين؛ فهناك من يؤيدها ويرى أنها أسهمت في الانتقال من التقييم التقليدي إلى ثقافة أكثر وضوحًا في تحديد الأهداف ومتابعة الإنجاز، بينما يرى آخرون أن التطبيق العملي يحتاج إلى مراجعة، خصوصًا فيما يتعلق بمدى واقعية بعض الأهداف، وعدالة التقييم، واختلاف طبيعة الأعمال بين وظيفة وأخرى.
وبين المؤيد والمعارض، تبقى هناك ملاحظة تستحق الاستماع:
الموظف لا يريد فقط أن يُقيَّم، بل يريد أن يشعر أن التقييم يساعده على التطور.
وهنا يأتي السؤال: أين موقع التدوير الوظيفي من هذه المنظومة؟
إذا كانت «إجادة» تقيس ما أنجزه الموظف في موقعه الحالي، فإن التدوير الوظيفي يمكن أن يفتح أمامه مجالًا لاكتساب خبرات جديدة في مواقع مختلفة.
فالموظف قد يحصل على تقييم مرتفع لأنه متمكن من عمله، لكن هل يعني ذلك أنه وصل إلى أقصى طاقته؟ أم أن لديه مهارات أخرى يمكن اكتشافها إذا أتيحت له فرصة مختلفة؟
وفي المقابل، قد يكون الموظف الذي لا يحقق النتائج المطلوبة بحاجة إلى تدريب أو توجيه أو تجربة وظيفية مختلفة تساعده على اكتشاف قدراته، بدل أن ينحصر التعامل معه في نتيجة التقييم فقط.
لذلك يمكن النظر إلى العلاقة بين «إجادة» والتدوير الوظيفي من زاوية أكثر شمولًا:
إجادة تقيس الأداء، والتدوير يوسّع الخبرة، والتدريب يعالج فجوات المهارات.
وهذه الأدوات إذا اجتمعت بصورة متوازنة يمكن أن تنتقل بالمؤسسة من مجرد تقييم الموظف إلى تطوير الموظف.
بين المؤيد والمعارض
من يؤيد «إجادة» يرى أنها عززت الاهتمام بالأهداف والنتائج، وجعلت الأداء الوظيفي موضوعًا حاضرًا في الإدارة بدل أن يكون التقييم مجرد إجراء روتيني.
ومن يعارض بعض جوانبها لا يعني بالضرورة أنه يعارض فكرة تقييم الأداء؛ فقد يكون اعتراضه على طريقة تحديد الأهداف، أو ملاءمة المؤشرات لطبيعة عمله، أو آلية التقييم، أو شعوره بأن بعض الأعمال يصعب اختزالها في أرقام ومؤشرات.
وهنا يجب ألا يتحول النقاش إلى «مع إجادة أو ضد إجادة».
فالنقاش الأكثر فائدة هو:
كيف نجعل إجادة أكثر عدالة وواقعية، وأكثر قدرة على تطوير الموظف والمؤسسة؟
فالموظف الذي يشعر أن صوته مسموع، وأن تقييمه يستند إلى معايير واضحة، وأن بإمكانه الاعتراض أو التظلم وفق الإجراءات المعتمدة، سيكون أكثر استعدادًا للتعامل مع التقييم باعتباره أداة تطوير لا أداة تهديد.
وماذا عن التدوير؟
التدوير الوظيفي يمكن أن يكون أحد المسارات التي تستفيد من نتائج تقييم الأداء.
فالموظف المتميز قد يحتاج إلى تجربة جديدة تؤهله لمسؤوليات أكبر، والموظف الذي لديه مهارات معينة قد تكون المؤسسة بحاجة إلى توظيفها في إدارة أخرى، والموظف الذي يحتاج إلى تطوير قد يستفيد من التدريب أو التوجيه أو تجربة وظيفية مدروسة.
لكن التدوير لا ينبغي أن يكون عقوبة للموظف، كما لا ينبغي أن يكون مكافأة عشوائية.
إنه قرار إداري يحتاج إلى دراسة: تخصص الموظف، خبرته، مهاراته، احتياجات الجهة، وطبيعة الوظيفة التي سينتقل إليها.
الموظف ليس رقمًا
ربما تكمن المشكلة عندما ننظر إلى الموظف من زاوية واحدة.
فالموظف ليس مجرد درجة في «إجادة»، كما أنه ليس مجرد سنوات خدمة أو مسمى وظيفي.
إنه خبرة ومعرفة وقدرات وطموح وتراكم من التجارب.
ولهذا فإن الإدارة الناجحة هي التي تستطيع أن تجمع بين القياس والإنصاف والتطوير.
فإذا كان «إجادة» يجيب عن سؤال: كيف كان أداء الموظف؟
فإن التدوير والتدريب يطرحان سؤالًا آخر: كيف يمكن أن يصبح أداء الموظف أفضل؟
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
ليس المطلوب إلغاء «إجادة»، ولا الدفاع عنها دفاعًا مطلقًا، وإنما الاستماع إلى الملاحظات التي يطرحها الموظفون، سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، والاستفادة منها في تطوير التطبيق.
فأي نظام إداري مهما كان جيدًا يحتاج إلى مراجعة وتقييم وتحسين مستمر.
وربما آن الأوان لأن نعيد التدوير الوظيفي إلى دائرة النقاش، لا باعتباره بديلًا عن «إجادة»، وإنما باعتباره أحد الأدوات التي يمكن أن تكمل منظومة إدارة الأداء وتطوير رأس المال البشري.
وفي النهاية:
لا يكفي أن نقيس الموظف كل عام؛ الأهم أن نسأل: ماذا فعلنا ليصبح أفضل في العام القادم؟
فالمؤسسة التي تقيس أداء موظفيها دون أن تستثمر في تطويرهم، تعرف أرقامها جيدًا… لكنها قد لا تعرف كيف تصنع مستقبلها.
*** كاتب عماني مهتم بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإدارية.
ماجستير في الإدارة.


